شوي

هذه التدوينة إستذكار لـ“شوي“، جار وصديق وزميل مغامرات رياضية في الرقة. سبق وأن كتبت عنه ”بوست“ على الفيسبوك أعلم أنه سيظهر في قسم ”ذكريات الفيسبوك“ بعد أيام قليلة، و“شوي“ يستحق أكثر بكثير من أن يكون مجرد ذكرى فيسبوكية.

“شوي” هو عبد الرزاق. ابن حارتي في الرقة، ذلك المستطيل الواقع بين الجامع الكبير وحارة الحسون جنوباً؛ وشارع 23 شباط شمالاً؛ وشارع المنصور غرباً؛ وشارع سيف الدولة شرقاً. بيت عائلة ”شوي“ في إحدى الحارات المتفرعة من شارع سيف الدولة. تعود أصول عائلة “شوي” إلى ريف حلب الشرقي، كنسبة كبيرة من أهل الرقة.

“شوي” أكبر مني ببضع سنوات. لُقّب بـ“شوي“ إثر نجاحه في الشهادة الإعدادية بعد رسوب مجلجل في المحاولة الأولى. قُرّر حينها أن على ”شوي“ أن يتعلّم مهنة ما. لذلك، عمل ”شوي“ لأيام في الحلاقة؛ لأسابيع في النجارة؛ ثم أسبوعين في تمديدات الكهرباء؛ ثم شهرين في الدهان، ثم حطّم رقمه القياسي الخاص حين عمل لساعتين فقط في كهرباء السيارات. كانت المحصلة أن ”شوي“ يعرف ”شوي“ عن مروحة هائلة الحجم من المهن، أو يعتقد أنه يعرف. 

في الحقيقة، كان ”شوي“ مقتنعاً أنه يعرف الكثير، أكثر بكثير من معرفة كل الناس. مشكلة ”شوي“ أن العالم عاجز عن استيعاب هذا الأمر.

تعرّفت على ”شوي“ وأنا في المرحلة الإعدادية. لم يكن موقفه محسوماً من اللقب، فقد يتجاهله أحياناً، أو يغضب منه أحياناً أخرى. التسمية الرسمية كانت ”عبّود“ وأحياناً ”رزوق“. وبُنيت صداقتي معه على أساسين: كرة اليد وكرة القدم. كنّا، أسوةً بأغلب أبناء الحارة، مشجعين لنادي الفرات، وخاصة في كرة اليد، مفخرتنا الرياضية المحلية (يحتاج نادي الفرات، بتاريخه ومعانيه، لعودة مطوّلة)، وشاركنا في تأسيس رابطة مشجعي نادي الفرات قبل أن تنتهي التجربة لأن جمهور نادي الشباب (منافسنا الرقاوي) تمكّن من لافتاتنا وأحرقها بعد خسارة فادحة أوقعناها بهم.

كان ”شوي“ قصير القامة، نحيلاً بشكل ملفت للنظر، يمزج غضبه وسوداويته ونكده الدائم مع حسّ فكاهي وسرعة بديهة تهكّمية من الطراز الرفيع، ما منحه كاريزما تتيح له تصدّر أي جَمعة أصدقاء بمونولوجاته الردحية. يرتدي جاكيت جلد أسود، أكبر بقياسين على الأقل من مقاسه المفترض طوال تسعة أشهر كل عام، ويدخّن بشراهة وهو مقرفص على مدرجات الصالة الرياضية ويوزّع الشتائم. لا أتذكر ”شوي“ إلا وهو يوزّع الشتائم كرشاش أوتوماتيكي. 

لاحقاً، قررنا تأسيس فريق كرة قدم يُشارك في دوري الأحياء الشعبية في الرقة. 

كان لدوري الأحياء الشعبية، (وهو في الحقيقة توافقات على مباريات أيام العطلة أكثر من كونه دوري منظّم ومُجدول، فيه فرق مديدة في العمر وفرق أخرى تظهر وتختفي حسب المزاج والهمّة)، ثلاثة ملاعب أساسية: ملعب ثانوية الرشيد (الذي تحوّل بشكل مؤلم إلى مقبرة خلال الاحتلال الداعشي، وخاصة أثناء الحرب ضد داعش التي تناست أن الرقة بلد له أهل)؛ وملعب آخر جنوب ساحة الإطفائية، التي اشتُهرت عند إسقاط تمثال حافظ الأسد فيها؛ وملعب السور، الذي لم يكن ملعباً بالمعنى الفعلي بل استخداماً غير مفهوم لمستطيل ترابي غير منتظم يقع خارج سور الرقة الأثري بالقرب من مدرسة حطين)؛ والملعب الأسود (الملعب البلدي، أو النقطة 11 حسب تسمية داعش اللعينة). كان هذا الأخير ما زال في المرحلة النهائية من إنشائه بعد أكثر من عشرين عاماً على العظم، وكان ممنوعاً علينا رسمياً، لكننا كنا نستخدمه بفضل الواسطة و/أو الرشوة، أو بمغافلة الحرّاس، أو تواطؤهم معنا في أيام المزاج الحسن. 

عدا كونه لاعباً،كان ”شوي“ العقل المدبر للفريق. لا يكفيه أن نقول عنه أنه كان مدرباً لنا. ”شوي“ أكبر من أن يكون مجرد مدرب، بل كان ”آليكس فيرغسن“ الخاص بفريقنا، الذي وُلد ومات، بعد موسم واحد، دون أن نتفق على اسم له. في الحقيقة لم يكن هناك خطة ولا تقسيم مهام، بل مجرد لعب للتسلية، لكن كمية الغضب الصادر عن “شوي” طوال الوقت كانت تجعلنا نعتقد أننا ننافس على دوري أبطال أوروبا، ما يزيد من تهكّمنا منه، وبالتالي يزيد غضبه.

بعد محاولتين فاشلتين لتقديم البكالوريا الأدبي كطالب حُر، ومحاولة النجاح بالغش -لأن وقت ”شوي“ أثمن من أن ينفقه في الدراسة، أدّى ”شوي“ الخدمة العسكرية- وكعدد كبير من أبناء الرقة، قضى خدمته الإلزامية في لبنان، من حيث عاد مبهوراً ومسحوراً. وبعد أشهر قليلة من تسريحه، قضاها متنهداً ومدخناً ومكتئباً عند حلاّق الحارة، قرر خوض تجربة الهجرة إلى لبنان. 

بقي ”شوي“ في لبنان أقل من عام، عمل خلالها في بقالية وفي محطة محروقات، ثم عاد إلى الرقة. لكنه بقي مسحوراً بلبنان وطبيعته وحياته وفتياته. أعاد حينها تقديم البكالوريا بالغش، ونجح! 

كبرت مشاريع ”شوي“ بعد البكالوريا، وبدأ حتى بدراسة فرع جامعي ما، لكن فرصة عمل في السعودية سرقته من أفكاره تحت ضغط أهله الشديد، إذ عرض عليه أحد أقربائه أو من معارف عائلته، لا أذكر، تدبير عمل له في التمديدات الكهربائية في مشاريع تعمير في جازان. وسافر ”شوي“ إلى الجنوب السعودي، حيث مكث بالكاد خمس شهور قبل أن يعود غارقاً في كآبته. لم يتحمّل ”شوي“ الحياة الرتيبة في جازان، ولم يتأقلم مع ظروف عمله الصعبة في الإنشاءات، تحت الشمس اللاهبة.

تجربة جازان ضاعفت من نوستالجيا لبنان لدى ”شوي“. ولأن الشعر ينبع من عمق معاناة الإنسان، قرر ”شوي“ التعبير عن ذلك شعرياً باستنباط بيت شعري فكاهي، يُقارن بين جازان ولبنان ويستفيد من سهولة القافية، ولا مجال لذكره هنا. ولأنه ”شوي“ فقد بدأت تجربته الشعرية وانتهت في بيت شعر واحد. 

انقطعت أخبار ”شوي“ عني تماماً منذ انتقالي إلى إسبانيا عام 2002، إلى أن صدفت أحد أقربائه من جيراننا في الرقة في عنتاب التركية قبل عامين، وأخبرني أن ”شوي“ كان قد توفي قبل ذلك بعام ونص بعد إصابته بالسرطان. كان قد قضى الشهور الأخيرة من حياته في الرقة، متهكّماً برغبته في أن تأتي غارة جوية و“تقشّه“ لينزل إسمه شهيداً على ”الأنترنت“. 

ربما كان عبود “شوي” في همّته المهنية وقدرته على الالتزام بعمل والبقاء فيه، لكنه كان “كثيراً” في مرحه الغاضب وفكاهته النكدية، وفي البحث عن متعة حياتية حتى في مستطيل ترابي غير مفهوم كالملعب الذي كنا نغبّر ثيابنا به كل جمعة أو جمعتين بجانب السور الأثري. ذكرى “شوي” هي أيضاً ذكرى كثير من الحياة المدفونة الآن تحت أنقاض الرقّة، ضحك ولعب وجدّ وحب أجيال رقاوية عديدة، نرجو أن تكتمل بأجيال أخرى قادمة، تلعب كرة القدم، وتتسلى، وتتشاجر في مدرجات الملعب البلدي أو الصالة الرياضية، وتضحك مع “شوي” آخر سيظهر بلا شك. لا رقّة بدون “شوي” لكلّ جيل.

الإعلانات

ليس سهلاً أن تكون صادق عبدالرحمن

صادق عبدالرحمن هو اسم مستعار لشخص. هذا واقع، وواقع معقّد بعض الشيء. لكنه ليس فقط اسماً مستعاراً. لصادق عبدالرحمن شخصية مستقلة، مرتبطة بالإنسان الذي يحمل الاسم، لكنها سجالية معه في كثير من المحطات، سجال قد يكون عنيف الطابع في بعض المحطات. ليست قليلة المرات التي اضطر فيها الأصدقاء المشتركون لإدارة جلسات صلح. 

تسهّل مهمة هؤلاء الأصدقاء المشتركون -وأنا منهم، بفخر- أن كلا الشخصيتين غير حقودتين على الإطلاق. كل خلافات وجهات النظر تُحل بسهولة بالغة (وبليغة). 

….

لا يمكن فهم صادق عبدالرحمن دون فهم عقيدة ”التوجّس الثوري“ التي يتبنّاها. للوهلة الأولى، قد يبدو أمام نظرة قاصرة أن صادق عبدالرحمن قليل الثقة وشَكوك وسوداوي. لا، ليس الأمر كذلك. التوجّس الثوري هو تثقيل الاحتمالات الأصعب، على الصعيد العام والخاص، والوقوف عندها طويلاً، وتفريخ الأسئلة المنبثقة عنها، والأسئلة المنبثقة عن الأسئلة، والأسئلة المنبثقة عن الأسئلة المنبثقة عن الأسئلة المنبثقة عن الاحتمالات الأصعب. ليس هذا فقط من أجل تجهيز النفس لاحتمالات حصول الأسوأ، ولكن أيضاً لأن الاحتمالات الأسوأ تشكّل تحدّياً بنّاءً من أجل طرح الأسئلة على الذات والغير. 

علينا هنا أن نشير أن طرح الأسئلة الأصعب بشكل لا متناهي لا يضمن الحصول على أجوبة، ولا يضمن أن الأجوبة صحيحة. احتمالات ”الفوتة بالحيط“ عالية جداً دوماً، بل أنها مُرجّحة. لكن يجب أن يُعترف لصادق عبدالرحمن أن الحائط الذي تراه من بعيد وأنت منطلق باتجاهه يصبح أقل إيلاماً. 

…. 

في مقاربة صادق عبدالرحمن التوجسيّة الثورية، ليس واضحاً أيهما يفضّل: أن تكون توقعاته السوداوية صحيحة، أم أن تكون خاطئة؟ رأيته منهاراً لأن احتمالاته أخطأت، ورأيته منهاراً أيضاً لأن توقعاته أصابت.

أزعم، بعد سنوات من الصداقة والعمل اليومي، أنني فهمت جوانباً كثيرة من شخصية صادق عبدالرحمن، لكنني غير متأكد من هذه النقطة على الإطلاق. 

….

اتصالاً بما سبق، تتجسّد إشكالية التوجّس الثوري وعلاقتها بالأسئلة عند صادق عبد الرحمن حتى بطريقة إجراءه للمحادثات الكِتابية: كمحرر محترف، يستخدم صادق عبد الرحمن علامات الترقيم بشكل دقيق وصحيح حتى أثناء المحادثة على وتس أب أو مسنجر أو سلاك (البرنامج الذي نستخدمه في الجمهورية لإدارة العمل اليومي)، إلا علامة واحدة، وهي إشارة الاستفهام. يطرح صادق عبدالرحمن السؤال مجرّداً من إشارة الاستفهام، ثم يُدرج إشارة الاستفهام في سطر منفصل. يفعل هذا الشيء دوماً (وأؤكد على ”دوماً“) فقط مع إشارة الاستفهام. لا يحصل هذا مع النقطة، ولا مع إشارة التعجب. 

لذلك، عليك أن تنتظر دوماً ثانية أو اثنتين بعد الجملة أثناء المحادثة مع صادق عبدالرحمن كي تتأكد من عدم وجود إشارة استفهام بعدها، وكي تعلم إن كان صادق عبدالرحمن يُخبرك أم يسألك. 

سبب ذلك، أعتقد، أن السؤال يُسائل هويته كسؤال عند صادق عبدالرحمن. لا يعرف هو نفسه حين يبدأ الكِتابة إن كان ما يُبنى هو سؤال أم تأكيد. لا شيء مؤكد عند صادق، الاحتمالات كثيرة، وهو لا يمتلك إشارة الاستفهام كي يقرر عنها! 

….

إلى حدّ ما، يمكن إيجاد تأصيل فلسفي ما لتوجّس صادق عبد الرحمن الثوري في نظرية ”الحداثة السائلة“ لزيغموند باومان. لديّ هنا ذكرى مؤلمة، وهي أن كتاب ”الأزمنة السائلة“ لباومان سُرق مني في حقيبة كانت تحتوي كمبيوتري ومسجّل الصوت ونظارات ومجموعة دفاتر وأقلام من أحد مقاهي اسطنبول. كانت الحقيبة على الأرض بين كرسييّ وكرسي صادق عبد الرحمن. وقد رأينا في تسجيلات كاميرات المراقبة أن مهمة السارق كانت سهلة بشكل مهين إذ أنه سحب الحقيبة من تحتنا، حرفياً.

هنا، يكاد سؤال ”لماذا لم يتوجّس صادق عبد الرحمن يومها“ يعادل صيحة غسان كنفاني الشهيرة ”لماذا لم يقرعوا جدران الخزّان“؟

….

ينفع هنا استدراك مهم: لا يعني التوجّس الثوري عند صادق عبدالرحمن أنه شَكوك بالبشر، بل على العكس تماماً. في جدار بجوار الطاولة التي يعمل عليها صادق عبدالرحمن هناك ورقة من فئة المئتي ليرة تركيّة مُعلّقة، وهي ورقة مزوّرة. حصل منذ أشهر أن كان صادق عبدالرحمن في الباص في اسطنبول، وظهر رجل ينادي على أحد أن يصرف له الورقة كي يتمكّن من دفع التذكرة، وصادق، النبيل الكريم، تبرّع.

خبطة مؤلمة ولا شك، ومبلغ ليس بالقليل. لكن من المؤكد أن صادق عبدالرحمن يفضّل أن يكون ضحية عملية نصب قبل أن يتردد في مدّ يد العون لأحدهم. 

ثمة بُعد قرباني، وافتدائي، في تكوين صادق عبدالرحمن. ليس من المحتوم أن تكون الشخصية القِربانية ظريفة، بل غالباً ما تكون شديدة الغلاظة، لا سيما إن كانت قربانيتها عبارة عن مواساة للذات من أجل ذاتها، أو نوع من أنواع تحميل الكون جميل صُنعها. لا، صادق قرباني صامت، يُصاب القريب منه بالهلع لكمية الصُلبان التي يحملها مساعدةً لـ (أو نيابةً عن) أشخاص وقضايا وأماكن.

درب آلام صادق عبدالرحمن يمرّ عبر سيكارته، فقط لا غير، بينه وبينها. 

….

لذلك، صادق عبد الرحمن لا يُدخّن، بل أن السيكارة تـ صادق عبد الرحمن. لهذا السبب، يتلقّى صادق عبدالرحمن أنباء إقلاع أحدهم عن التدخين وكأنها إهانة شخصية له. هذا لا يعني أنه يغضب، أو يرد الإهانة بمثلها، بل فقط يتألم في دواخله. دواخل صادق عبدالرحمن مؤلمة جداً. لمزيد من الاطّلاع، هذا النص كمثال. 

….

معرفة صادق عبدالرحمن بجغرافيا سوريا وديموغرافيتها مذهلة. تكتشف فجأة أنه يعرف أسماء قرى في الريف الشرقي للرقة، أو القصص وراء أغاني فلكلور السويداء، أو تاريخ سراقب، أو الميادين، أو توزيع أحياء محيط حلب. لا أدري كيف لم تحاول وكالة استخبارات دولية ما تجنيده كعميل فوق العادة. 

أم أنه عميل مخابرات دون أن أعلم؟ أنا متوجّسٌ الآن. 

….

مقدرة صادق عبدالرحمن على السخرية من نفسه مذهلة فعلاً، وهذا متفرّع عن عقيدة التوجّس الثوري. أحلامه كثيرة، يريد أن يتقاعد وسط بقايا شيوعيي شرق ألمانيا ويعيش معهم حوارات ماضوية للمقارنة بين أنماط النضال الرِفاقي في براندنبرغ وريف طرطوس؛ وفي نفس الوقت يريد أن يكون سائق تاكسي في المستقبل.

صادق عبدالرحمن أنقذ حامل اسمه من أن يكون شاعراً. الشعراء يتبعهم الغاوون، وصادق عبدالرحمن يرفض أن يكون بينهم.

في لحظةِ ما، يختلط الضحك المدوي بالتيقّن أن كل شيء على وشك الإنهيار، لكن وجود صادق عبد الرحمن مُطمئن، يُشعر أصدقاءه أن كل شيء سيكون على ما يُرام، وأنه هناك للدعم والمساعدة والتفهّم (وخصوصاً التفهّم). كما قلت، وجوده مطمئن ما عدا في حالة واحدة: عند اختيار عنوان لمقال، خصوصاً إن كان المقال من كتابته. هنا، يتحوّل التوجّس الثوري إلى هلوسة محمومة. 

….

لدى صادق عبدالرحمن جاكيت أنيق، عسليّ اللون، هو الجيل الثاني من ”جاكيت الأستاذ“. لدى صادق دوماً ”جاكيت أستاذ“ يلبسه حين تكون الأمور مستقرة وجيدة، أو حين يكون الوضع عصيباً وكل شيء على وشك الإنهيار.. لست متأكداً من علاقة الجاكيت بالحالة النفسية.. كما قلت في المقدمة، ليس سهلاً أن تكون صادق عبدالرحمن، ولا أن تكون جاكيته. 

لكننا محظوظون في أن هناك من يأخذ على عاتقه، ولو بكثير من التوجّس، أن يكون صادق عبدالرحمن عنّا، ولنا. 

صفارة الإنذار

استيقظت اليوم الساعة الثامنة إلا عشرة صباحاً على صوت صفارة إنذار تصدح من البناء المجاور للبناء حيث أعيش منذ حوالي شهر، في حي فيدينغ البرليني. يبدو صوت الصفارة وكأنه تسجيلٌ لصوت سيارة إطفاء يُشغّل بالعكس. والمسافة بيني وبينه تجعله غير عالٍ جداً، لكنه مسموع بشكل واضح.

كان من المخطط أن أنام اليوم حتى الظهر، أي حتى العاشرة صباحاً تقريباً. أمس نمت متأخراً جداً بعد سهرة عدت منها مستيقظاً للغاية، ما أجبرني على جولة فيديوهات يوتيوبية على مذهب الرفيق صادق عبد الرحمن. حين أيقظتني صفارة الإنذار بالكاد كنت قد نمت أربع ساعات.

أغلقت الشبابيك وحاولت العودة إلى النوم. عبث. رفعت صوت الراديو (الذي يندر أن أتمكن من النوم -خصوصاً في النهار- دون أن يوشّ بجانبي) لكن صوت الصفارة ما زال مزعجاً.

بدأ الصُداع. حان وقت التركيز الشديد في محاولة النوم. وضعت السماعات وغطيت رأسي.

غفيت، لكنها غفوة مُتعبة أكثر، بدأت بدايات أحلام هلوسية، مخلوطة بصداع، ويدخل بها صوت صفّارة الإنذار. في أحد هذه الأحلام الهلوسية أتذكر أنني متأخر بمراسلة أحد الأشخاص، بدأ السترس. قهوة. افتح الكمبيوتر.

موسيقى؟ عبث. صوت الصفارة يدخل فيها ويخربها. ولكي أغطي على صوت الصفارة يجب أن أرفع الصوت لدرجة قد تُزعج الجيران. اليوم سبت، وقد يكونون نائمين.

نائمين؟ مع صوت الصفارة هذا؟

على فكرة. لماذا ما زالت تصدح؟ لماذا لا يطفؤها أحد؟ لو أن لصّاً دخل وسرق فقد كان لديه الوقت الكافي ليصل إلى.. لا أدري. سلوفينيا؟

لا أقصد أن أهل سلوفينيا لصوص. أنا آسف. تقدير مسافة لا أكثر.. النمسا النمسا. خلاص يا عمي!

الناس يدخلون ويخرجون من البناية. أراهم من نافذتي المطلّة على الفناء الداخلي. لا أحد ينظر إلى مصدر الصوت. وحدي أُخرج رأسي من النافذة كل خمس دقائق.

ماذا لو أنني الوحيد الذي يسمعها؟ هل أتخيلها؟ هل ما زلت ضمن حلم هلوسي صباح سبت بعد سهرة؟ لا. مستحيل. شربت فنجاني قهوة وأفطرت، وأرسلت 8 إيميلات، وتحادثت مع مصطفى الجرادي.

موضوعنا ليس مصطفى الجرادي الآن. دعونا نركّز على صفارة الإنذار.

لا أتخيلها. لكن لستُ متأكداً أن أحداً غيري يسمعها. لا أحد يفعل شيئاً! هي مسموعة بقوة عندي وأنا أبعد عن مصدرها نحو خمسين متراً. إذاً تلك البناية تهتزّ الآن من الدوي.

بناية فارغة؟ لا أعتقد. ربما بناية مكاتب؟ آير-بي-أن-بي؟

عن جد! لماذا لا يوقفونها؟ هل يخافون أن يؤدي إيقافها لتشغيل صفارات الإنذار الأخرى حول فيدينغ؟ هل هناك آوانٍ مستطرقة من الصفارات في هذه المدينة؟ أثر الفراشة؟

هل للفراشة صوت؟ ما اسمه باللغة العربية؟

فيدينغ ما زالت رخيصة نسبياً مقارنةً بمناطق أخرى من برلين. لكنها في طور الجنترة، وسترتفع الأسعار خلال الشهور المقبلة. هل هناك صفارات إنذار في كرويزبرغ تصدح الآن؟ هل هناك صفارات إنذار في برغهايم؟ من سيسمعها إذا دوّت؟ هل هذه عقوبة أتلقاها لأنني، ربما، أساهم في جنترة فيدينغ؟

هناك محل حلويات سورية سيفتتح غداً تحت بنايتي. الحلويات السورية جنترفايد أم غراس روتس؟

أشعر بالأسى على الصفارة. لا بد أنها تعبت. البشر سيئون. المسكينة تصرخ لأن أحداً دخل دون تصريح حيث لا يجب أن يدخل، أو لأن أحداً لم يبرمجها كما يجب فانطلقت بشكل خاطئ. أياً يكن. لا أحد يفعل شيئاً. من المُتأذي أكثر هنا؟ أنا أم الصفارة؟ ويلاه.. أشعر بالذنب الآن.

ثم أن الصفارة لم تأتِ من عدم. بل هي إبنة هذا المجتمع، كبشار الأسد أو داعش، حسب الرأي الأدونيسي الثقافوي الشائع. داخل كل منّا صفارة.. نحن الصفارة!

الساعة الواحدة وخمس دقائق ظهراً والصفارة لم تتوقف بعد. الحائط الأبيض صار أمامي بنفسجياً. أعتقد أنني يجب أن أغادر البيت.

أرجو أن تكون الصفارة قد توقفت حين أعود. لكنني أخاف أنها، حتى لو توقفت، فربما تكون قد ورّثت ابنها.

رؤوس أقلام عن بلدٍ لا يُصدّق

كتب إينيغو دومينغث هذا النص العام الماضي في مجلة جوت داون الثقافية الإسبانية. دومينغث أحد أقدم المراسلين الصحفيين الإسبان في روما، حيث يعمل منذ أكثر من عشرين عاماً كمراسل لجريدة إل كوريو الباسكية، بالإضافة لمساهماته الإعلامية في الصحافة المكتوبة والتلفزيون والراديو. هو أيضاً أحد المساهمين الفاعلين في مشروع جوت داون، وهي مجلة إلكترونية ثقافية بدأت تصدر قبل نحو سبعة أعوام، وعدا موقعها تُنتج مجلة شهرية مطبوعة، كما تُساهم في إنتاج «سمارت»، أحد الملاحق الثقافية لجريدة إل باييس.

*****

وجد مراسل عُيّن جديداً في روما هذه الملاحظات في درج مكتب سلفه، في شقةٍ غارقة في فوضى عارمة، وكأنها هُجرت على عجلٍ. كان المُراسل السابق قد انهار عصبياً يوم طُلب منه أن يكتب مقالاً خفيفاً -من نمط مقالات ملاحق نهاية الأسبوع- عن طِباع الإيطاليين، وكم يشبهون الإسبان وكم يختلفون عنهم.

بعد شهرٍ من العلاج بالأدوية العصبية صدر قرار نقل المُراسِل السابق إلى باريس، حيث يعيش الآن حياةً هنيئة. فيما يلي ما أمكن فكّ طلاسمه من المُلاحظات المدوّنة على دفتر.
 
 

يُشبه الوصول إلى روما لحظة دخولك إلى منزل جدّتك.

فندق الأربع نجوم في إيطاليا هو كفنادق النجوم الثلاث من حيث الجودة، لكن كفنادق الخمس نجوم من حيث السعر.

للأسرّة الزوجية في إسبانيا مخدّة واحدة طويلة. هنا في إيطاليا يستخدمون مخدتين أصغر.

صحيحٌ ما يُعتقد: الإيطاليون يأكلون الباستا بشكل شبه يومي.

ليس لديهم هليون مُعلّب، ولا زيتون محشي، ولا سجق، ولا دونَتس.

يبدو الطليان وكأنهم محكومون بمسلّمة مُحيّرة: إن كان بإمكانك أن تخدع أحداً ولا تخدعه فأنت غبي. كأجنبي وصل حديثاً أعاني هذا الأمر بشكلٍ يومي.

الكثير من الأشياء فاحشة الغلاء هنا: طبيب الأسنان، تأمين السيارة، الوقود، السمك.. هذا غير مفهوم. ثمة من يسرق كثيراً هنا!

شيء لا يصدّق. لديهم إحدى أعلى نسب الضغط الضريبي في العالم، فالبشر هنا يعيشون محترقين في نير الضرائب، لكن بالمقابل لديهم خدمات عامة وبُنى تحتية عالمثالثية. ثمة من يسرق كثيراً هنا!

كيف يعيش الناس؟ كيف يتدبرون أمورهم؟ لا أفهم.

يكاد من المستحيل أن تجد إيطالياً يقلي بيضةً. بالكاد يأكلون المقالي هنا. في الحقيقة، هناك تنوّع هائل في الخضار والفواكه، ولكلّ منها مذاقه الصحيح.

في الحقيقة، ليس هناك في إسبانيا نظام غذائي متوسطي.. هذه خرافة.

في إسبانيا، يتبادل الناس القُبل من اليسار إلى اليمين، بينما في إيطاليا من اليمين إلى اليسار. الإسبان والطليان يتناطحون حين يتبادلون القُبل.

على عكس إسبانيا، لا تقبّل خدّي إيطالية كتحيّة تعارف، إذ يُعتبر هذا سلوكاً إقتحامياً مستهجناً. يجب ترك هذا الأمر لمرحلة لاحقة، حين تُبنى ثقة متبادلة. من الجوهري جداً اتباع أصول الكياسة هنا.

الصحف في إيطاليا لا تُقرأ، بل تفك شيفراتها.

في أي جريدة إيطالية تجد الخبر، وبجانبه ما وراء الكواليس، ما وراء الخبر.

تجد إسبانيا في أخبار إيطاليا فقط حين يطعن ثورٌ مصارعه بقرونه. بينما إيطاليا مصدر أخبار مستمر في الصحافة الإسبانية.

لا أتذكر متى كانت آخر مرة سمعت فيها حديثاً عن المُخابرات في إسبانيا، في حين هي موضوع حديث يومي في إيطاليا.

قد يكون ذلك لأنه لا توجد أسرار في إيطاليا. كل شيء يُعرف ويفتضح، ما يساهم في الفوضى العامة. مضى على وجودي هنا شهور ولم أفهم شيئاً بعد.

إيطاليا هو البلد الذي قد تجده مغلقاً بالكامل بسبب الإضراب حين وصولك إليه.

في إيطاليا تُسمّى النشرة المُصاحبة للأدوية Bugiardino، أي «الكذّاب».. «الرجاء قراءة الكذّاب بتمعّن قبل تناول الدواء». مصطلح آخر، يُساهم في توضيح علاقة هذا البلد مع المعاني، هو التسمية التي يطلقونها على الميزانية التي يعطيك إياها السمكري أو النجّار أو ما شابههما قبل البدء بعمله: «الوقائي».

هناك، على ما يبدو، إسبانيتان. لكن هناك مئات الإيطاليات. هذا البلد منقسمٌ على انقساماته. ملاحظاتي هذه تخص روما بشكل أساسي، ولا أعلم إلى أي درجة تصلح لمناطق أخرى.

في أحد الأيام، حصل إضرابٌ لعمال صيانة الإشارات الضوئية في نابولي، وحرِصوا على تعطيل كل الإشارات الضوئية في شوارع المدينة خلال الصباح، لكن السير مشى يومها باعتيادية تامة.

هناك في كلّ مكان أشخاص أو أشياء قد يعتقد البعض أنهم نذير شؤوم، لكن هذا الأمر إيمانٌ مطلق في إيطاليا.. الناس هنا مُتطيّرون جداً.

لو طرحنا نفس السؤال على إسباني أو إيطالي: هل هذا أبيض أم أسود؟ الإسباني سيجيب: «هذا أبيض». في حين سيجيب الإيطالي:«يعني.. لا أستطيع ألا أقول أن.. من المؤكد أنه النقيض التام للأسود، وهذا ما يمكن أن يقال عنه، عملياً، أنه مُعاكس السواد، أعني.. ربما أبيض».

كيف نفسّر ما سبق: إنهم يبحثون دوماً عن كسب الوقت. لا يتهوّرون. لا يغلقون أبواباً قبل الأوان.

المجهول هو منطقة محفوفة بالمخاطر، والمعروف في منطقة مجهولة يُساعد في تقليل المخاطر. يعتبر الإيطالي النمطي الذهاب إلى مشفى، أو إلى ميكانيكي سيّارات، دون وساطة أو مرافقة أحد الثُقاة فعلاً مفرطاً في تهوّره.

ليس لديهم أدنى إحساس بالواجب هنا. أعجز عن الاستيعاب..

يولي الإيطاليون أهمية كبرى لأفكار وتصوّرات الآخرين عنهم. في هذا المجال، قد يصلون إلى درجات مفرطة من الرياء والتزلّف لمن يريدون منه أمراً ما. كذلك، لديهم اهتمام كبير بالخارج، بدولٍ أخرى. الإسبان أكثر انغلاقاً. إسبانيا بلدٌ منطوٍ على نفسه.

علينا أن نستخلص المعاني ممّا نجده مكتوباً على جدران بارات إسبانيا. أشياء من قبيل: ما أجمل هذا النهار، كن واثقاً إذاً أن أحداً ما سيخّربه.

الإسباني غاضب عادةً، وأحياناً يكون مرحاً. الطليان على العكس تماماً: هم مرحون دوماً، ونادراً ما يغضبون، حتى حين يكون هناك سبب وجيه للغضب. هذا أحد أهم أسباب مشاكلهم.

ثمة انقطاع ثقافي حاد بين إسبانيا وإيطاليا، إذ قلّما تصل كتب أو أفلام من بلدٍ إلى الآخر. عدا ذلك، تاريخياً أتت التأثيرات الإيطالية إلى إسبانيا مُحلاّة بشكل مبالغ به: غراثيلسو، عصر النهضة، فيلاثكيث رساماً في روما، أو أفلام بِرلانغا الكوميدية على الطراز الإيطالي. للأسف، في السنوات الأخيرة لا تصلنا من إيطاليا إلا السخافات من نمط لاورا باوسيني.

كإسبانيا، لا أحد في إيطاليا قرأ دون كيشوت حقيقةً.

إيطاليا بلدٌ غير محكوم، متروكٌ لنفسه وللإيطاليين، الذين عليهم أن يتدبّروا أنفسهم بأنفسهم للبقاء على قيد الحياة.

المجتمع الإيطالي قبلي، مُكوّن من قبائل متناهية الصغر تتصارع فيما بينها طوال الوقت.

لو حاولنا إيجاد ملمح جمعي للإيطاليين فسيكون الغرور، لكنه ضربٌ من الغرور قد لا يكون بالضرورة سلبياً، بل مسرحيّ بامتياز، شيء من قبيل الحاجة المستمرة لإثبات الوجود. ومن هنا تأتي مصطلحات جوهرية لفهم العقل الإيطالي: التمثّل الجميل Bella figura، أي أن تبدو بشكل لائق وصحيح؛ أو التمثّل الخُرائي Figura di merda، أي أن تبدو بشكل خاطئ، دوماً من وجهة النظر التمثيلية المسرحية. حياة التمثّل هذه هي ما يشرح الخطاب، الطقوس، السلوكيات، الرياءات، تدرّجات السلطة، والثياب. الجماليات. لا يطيق الإيطاليون غياب الجماليات ولا قلّة الاهتمام بالتفاصيل، أو ضعف الحرص على الأشياء، وعلى مجال النظر. الإسباني، بدوره، يفشل في استيعاب الجماليات، التي يعتبرها تكلّفاً يُعيق الوضوح؛ ويعتقد أن الجوهر ليس في المادة، وأن لا أهمية كبيرة للأشياء. الإسباني أخرق في التعامل مع المظاهر

كلّ إيطالي هو «شخصية» قائمة بحد ذاتها.

في مفهوم الإيطاليين، أسوأ ما يمكن أن يحصل لك هو cadut di stile، أي سقوط ”ستايلك“. هذا بمثابة فقدانك لـ «شخصيتك».

الطليان لا يقبضون أنفسهم بجدية، على عكس الإسبان. لكنهم يؤمنون أكثر بشخصياتهم. القِناع هو المهم. في هذا المجال، هم واقعيون فيما الإسبان مثاليون. الإيطالي يمارس النقد الذاتي بشكل طبيعي ولا يخدع نفسه.

لدى الطليان موهبة فطرية للخطابة الدائرية، واستخدام التفاصيل كأراجيح بين عبارةٍ وأخرى. يؤخرون الوصول إلى جوهر الموضوع، أو لبّ ما يريدون قوله، قدر الإمكان.

الإيطالي إنسان مركّب، وحتى لو لم يكن كذلك فعلاً فهو قادر على تصنّع ذلك. بالمقابل، الإسباني ثنائي، سريع الكشف عن نفسه، ويفخر بأنه بسيط، واضح، مباشر.

الإيطالي مُستمع جيد، إذ يدرس كلّ ما هو أمامه. الإسباني، على العكس، مستمع شديد السوء. لكن الإيطالي يحتاج دوماً لجمهور، فيما يكتفي الإسباني على الأغلب لشخص واحد يتحدث معه. لذلك، تجد دوماً في موائدنا، نحن الإسبان، عدداً كبيراً من المحادثات الثنائية المتراكمة فوق بعضها البعض. نحن ثنائيون، كما سبق وأن كتبت.

يقضي الإيطالي حياته وسط شكّ خلقي: لا شيء فعلاً كما يبدو، ودائماً وراء الأكمّة ما وراءها. لذلك، الحياة بالنسبة للإيطالي هي مزيج بين الاستراتيجية والتمثيل، والمكائد والأقنعة. الأمر في النهاية أشبه بلعبة، حيث يمكن أن تربح أو تخسر. الإيطالي واضح في أنه لا يريد أن يخسر، ولذلك ينظر للعبة بجدّية بالغة، حتى لو كانت مُسلّية أحياناً.

في هذا الجو، ليس «التطبيق» إلا صُداعاً مستمراً. لعبة جنونية، حيث عليك أن تحاول الإغواء باستخدام وسائل قديمة للغاية.

مجدداً هناك إضراب اليوم، ككل أيام الجمعة. فظيعون. لا إضرابات يوم الأربعاء.

ليست إيطاليا بلداً جدياً، بل أنها بلد الهزل والفكاهة والهجاء، وهي الأسلحة المضادة للسلطة وللمُعتقدات. فعلياً، ليست إيطاليا بلد ثوار، لكنها بلد أبطال ومجانين رائعين.

لا أحد يمكن أن يكون جدّياً كما الإيطالي حين يكون جدّياً؛ مثلما لا أحد يمكن أن يكون جدّياً بقدر طفلٍ جدّي.

يقول فييليني عن الطليان أن لديهم قدراً من الطفولة الفوضوية، عديمة المسؤولية، الشقية، الجذّابة. لذلك، اخترعوا النوتيلا، وبطاقات بانيني للاعبي الكرة، ودون ميكي، وهي أشياء تُعامل ككنوز وطنية. البالغون الإيطاليون يستخدمون تعبيرات الأطفال للإشارة لقضاء الحاجة، ودون أي خجل من ذلك، كما يأكلون الكثير من الجيلاتو، كأطفالنا.

الإيطالي عاجز عن الوقوف عند دوره في طابور انتظار، فكلٌ منهم يتدبر أمره كما يستطيع، ولا أحد يُحاكم أحداً. كذلك لا يمكنك الوثوق بالقضاء الإيطالي كثيراً. يبقى لديهم عدالة يوم القيامة، التي يُنتظر ألا تكون موجودةً فعلياً، أو أن تجري ثم يكتشف الجميع أنها كانت عبارة عن مزحة، ويبقى كل شيء كما هو عليه الآن.

كمية البيروقراطية والتعاملات الورقية في هذا البلد مذهلة. تخيّل أنهم ما زالوا يستخدمون الشيكات والفاكس. عدا ذلك، لا أحد يعرف علم اليقين ما هو المسار القانوني لمعاملة ما، أو ما هي الأوراق اللازمة لإنهائها. لا يوجد جواب موحّد لأي سؤال، مهما كان هذا السؤال واضحاً. لا يوجد أي يقين هنا.. لا أدري كيف لا ينهار هذا البلد!

ليست هناك أدنى فرصة لمقاومة هذا الأمر. لا يتبقى لديك إلا التسليم والصبر.

طِباع الإيطاليين هي الطريقة الوحيدة كي لا تُصاب بالجنون في هذا البلد. هي تدبّر بحت للبقاء على قيد الحياة.

لهذا السبب، ربما، لا أحد مثلهم يعرف كيف يستمتع بالجوانب الجميلة للحياة.

طريقة تعاملهم مع النساء مذهلة، على سبيل المثال كمية النساء- المزهريات اللواتي يحرصون على إظهارهن في التلفزيون. للإيطالي كمونٌ ذكوري خلقي، لا يراه مُهيناً على الإطلاق، بلا على العكس تُرى هذه الذكورية التشييئية على أنها تشريفٌ للجمال.

الإيطالي لا يسترخي عند شرب الكحول، ولا يسكر، إذ يخشى الظهور أو التصرّف بشكل غير أنيق. في هذا المجال، الإسباني أكثر بدائية. لهذا السبب أشرت سابقاً إلى أن «التطبيق» أصعب هنا.

لا يشربون الكوكتيلات، وليس لديهم أدنى فكرة عن طريقة تحضيرها. لم أجد في كلّ روما باراً واحداً يُقدّم جِن-تونيك مُحضّراً كما يجب.

يُعجب الإسباني بموهبة الإيطالي في التعامل مع التفاصيل والشياكة. بدوره، الإيطالي مُعجب بعبوس الإسبان.

يُصدم الإسباني حين يصل إلى إيطاليا بغياب العفويّة في هذا البلد، أكان ذلك بسبب الاهتمام بالكياسة، أو بسبب التكلّف المبالغ به. هم فاشلون للغاية في التعامل الطبيعي، ويحتاجون دوماً للتقوقع وراء مظهر. بالمقابل، يعتبر الطليان أن الإسبان متجهّمون ومباشرون بشكل مبالغ به، وهذا يثير لديهم بعض الإعجاب، لأنهم يرونه كدليل نزاهة وأصالة عندنا، على عكس بلدهم، الذي يُعبّرونه مُنحطّاً للغاية. حين يكون الإيطالي خارج إيطاليا يرمي الذنوب كلها على إيطاليا والطليان. الإيطالي لديه مفهوم شديد السلبية عن «الإيطاليين»، هذه المجموعة التي تبدأ حيث تنتهي مجموعة الأهل والأصدقاء المقرّبين وأهل الثقة. الإسباني -أكتشف الآن في إيطاليا- لديه إيمان عميق بالمُثُل، بالخير، بالحق، بالخلاص، بالثواب. الإسباني ساذج.

في إيطاليا، أسوأ الذنوب أن تبدو غبياً. في حين أسوأ الذنوب الإسبانية أن تبدو ذكياً.

يفضّل الإسباني المرور دون أن يشعر به أحد، ألا يظهر. الإيطالي يبالغ في الأداء من أجل لفت الانتباه. يحب الإيطالي أن يكون بطل المشهد، وأن يُتاح له إظهار مزاياه، ولأجل ذلك، يسعى دوماً لإيجاد تواطؤات مع الآخرين.

منظور الإيطالي للحياة شديد القسوة، إذ لا يتأمل شيئاً على الإطلاق -بالمقابل لديه دوماً أحلام كبرى- وعمقه شديد التشاؤم، أظلم بكثير من العمق الإسباني. الإيطالي يتلطّى وراء الصورة النمطية، لكنه في الواقع شديد العملية فوق أي قيمة أخرى. يعتقد الإسباني أن هناك رفعة روحية ما في القيام بأفعال نبيلة دون انتظار مقابل، والإيطالي لا يفهم هذا الأمر أبداً.

العفوية والطبيعة في إيطاليا موجودة في الفن، في مئات الزوايا حيث بإمكانك أن تتنفس ضرباً من النعمة، وانسجاماً غامضاً.

الكثير من الأطفال الإيطاليين يمارسون رياضة المبارزة بالسيف.

يحب الإيطاليون إسبانيا، لأنها غير مُعطّلة، أو هذا ما يقولون.

لو أن إيطاليا غير معطّلة فستكون بلا شك أروع بلد في العالم، لكن من المُحال أن تحصل على كل شيء في الحياة.

زار جوليو أندريوتي إسبانيا عند بدء التحوّل الديمقراطي فيها، وحين سُئل عن رأيه بالوضع السياسي في إسبانيا أجاب «تنقصكم الأناقة».

آلدو مورو، زميله في الحزب الديمقراطي-المسيحي الإيطالي، كان يستخدم في خطاباته مصطلحات من قبيل «التقاءات متوازية».

من السهل في إيطاليا أن تعرف أيّ فريق كرة قدم تشجّع كل شخصية عامة. هناك روابط مشجعين داخل البرلمان تجمع سياسيين من أحزاب مختلفة، في رابط إيديولوجي أرفع وأكثر صلابة من الإيديولوجيا السياسية: قد تُغيّر حزبك أو كتلتك البرلمانية، لكنك لن تغيّر فريقك أبداً..

قضيت بضعة أيام في إسبانيا مؤخراً. كم يبدو الناس قليلي تهذيب وكياسة في إسبانيا، صوتهم عالٍ دوماً. وكم نبدو ريفيين. نحن أقبح أيضاً.

حين أصل إلى إيطاليا أتوجّه فوراً لشرب القهوة المُحضّرة كما يجب. أحياناً أفعل ذلك في المطار حالما تهبط الطائرة.

يعتقد المرء أن التلفزيونات الإيطالية تعيسة، إلى أن يُشاهد التلفزيونات الإسبانية.

يظهر الكثير من الرهبان والراهبات في التلفزيون الإيطالي. هناك دوماً راهب أو راهبة في أي مسلسل تلفزيوني. أيضاً، من السهل أن تراهم يمشون في الشارع.

وضعهم سيء، لكن الإيطاليين أقل هوساً بالموبايل من الإسبان.

بإمكانك أن تقطع الشارع من منتصفه في إيطاليا، وسيسمحون لك بالمرور. أما في إسبانيا فسيوجّه السائق المقود نحوك وكأنه ينوي دهسك.. يريد إخبارك أنك مخطئ، وأن القانون في صفّه.

لو خُضت حرباً في صفّ إسبانيا فمصيرك الأرجح هو الموت. أما لو خضتها في صفّ إيطاليا فستموت فقط إن لم يكن هناك مفرّ من ذلك. الإيطاليون يسعون بشكل مستمر لاكتشاف طرق بديلة.

لا تجد بيوت دعارة في إيطاليا، فالفتيات يعرضن أنفسهن في الشوارع. يُذهل الإيطاليون حين يرون نوادي الطرقات في إسبانيا.

في إيطاليا كانوا يعرفون بوجود الفورمولا واحد قبل ظهور فرناندو ألونسو.

من الشائع في إيطاليا ألا تفهم كلام من يعيش بعيداً عنك ساعة قطار. اللغة الإيطالية كما نعرفها هي نتاج التلفزيون الإيطالي في الخمسينات، لكن أكثر من نصف السكان هنا يتحدثون بلهجات محلية مع أهلهم وأصدقائهم.

لقد خدعني لحّام الحيّ مجدداً. لماذا؟ ألم يفكر للحظة أنني لن أشتري من عنده مجدداً وسيخسر زبوناً؟ أفشل تماماً في استيعاب طريقة تفكيرهم قصيرة المدى.. إنهم انتحاريون!

حين يلعب الطليان كرة القدم، حتى لو كانت مباراة تسلية بين أصدقاء أو جيران، فإنهم يفتعلون الأخطاء ويتشاجرون عليها كما لو أنها مباراة احترافية. الإيطاليون شديدو التنافسية.

في التديّن الإسباني، نجد أهمية شديدة لمفهومي الذنب والكفارة؛ في حين يولي التديّن الإيطالي أهمية للغفران.. لا ينظرون إلى ما قبل، أي الذنب؛ ولا لما بعد، أي التكفير عنه. في هذا المعنى هو بلد متسامح مع المذنبين، وأقول هذا الأمر دون أن أنوي الظهور وكأنني أنتقدهم. الإيطالي يتسامح بورع شديد مع مآسي الآخرين الناتجة عن ذنوبهم، في حين يراها الإسباني نتائجاً منطقياً للخطيئة. الإيطالي يتوقّع منك الغفران دوماً، لكنه لن يطلبه منك أبداً. هو غير مذنب بشيء، بل الذنب هو ذنب العالم.. العالم غير عادل!

في إيطاليا هناك براكين وزلازل، وكأنه بلد بعيد جداً.

المؤتمرات الصحفية في إيطالي مختلفة جداً عن المؤتمرات الصحفية في إسبانيا. يندر أن يمثل فيها أقل من أربع أو خمس أشخاص، ولا تحصل جولة أسئلة أو طلب توضيحات من الصحفيين بعد الانتهاء من قراءة البيان أو الإعلان، بل يتناوب الصحفيون الحاضرون على المداخلة وإبداء رأيهم بما سمعوه.

في روما تلتقي بكثيرٍ من الناس يعيشون بسويّة عالية جداً، دون أن تنجح في فهم مما يعتاشون بالضبط!

بما يخص الموضة، الإسبان متشابهون تماماً فيما بينهم. يلبسون جميعاً نفس الموديلات، وهم شديدو الكسل في هذا المجال. تراهم يمشون في الشارع وهندامهم متماثل جداً فيما بينهم، يلحقون موضة عامة ما حسب أهوائهم، ويعتقدون أن هذا الأمر مُحدد لشخصياتهم بشكل أو بآخر.

ثمة أمر مذهل: هناك أكثر من مليون شخص يعيشون في المنطقة المحظورة حول بركان بسروبيو، دون وجود أي خطة لإجلائهم في حال حصول إنفجار بركاني. لو حصل هذا فستكون كارثةً إنسانية كبرى.

حين أروي أشياءً تحصل لي هنا لا يصدّقني الناس. يعتبرون أنني أبالغ.

لم يكن عدد سكان روما يتجاوز الثلاثين ألفاً في أعتم حِقب القرون الوسطى. لكن روما كانت كما نراها اليوم، كبيرة، عظيمة، كديكور مسرحية ضخمة مُهمل، وسكان يهيمون على وجههم بين آثاره.

روما غير حقيقية، كخشبة مسرح ضخم. الباروك، وهو اختراع روماني، هو مسرحٌ خالص. أهل روما يتجولون فيه ككومبارس سينكيين ومنزعجين من انخفاض ما يُدفع لهم لقاء أدوارِهم.

يعتقد الإسبان أنهم يعيشون في أكثر بلد فوضوي، و”كشتبنجي“، وفاسد وغير لائق في العالم. حين تنظر إلى إسبانيا من هنا تشعر وكأنها سويسرا.

حين يعرف الإيطاليون هنا أنك إسباني فمن الشائع جداً أن تُسأل: إسباني؟ من أين؟ من برشلونة؟ برشلونة أول مدينة يفكرون بها وليس مدريد.. هذا الأمر مثير للاهتمام.

إسبانيا وإيطاليا تتبادلان تجاهل ثقافة النبيذ لدى الآخر. كلاهما يحترم النبيذ الفرنسي!

في إيطاليا، يُعتبر العيش وسط الجَمال محاولةً للإجابة على سؤال الحياة الغامض. في إسبانيا، نعتبر الجمال شأناً خاصاً بالمخنّثين. وهذه إحدى مشاكلنا التكوينية.

ما هو جميل هنا يُعتبر جيّداً، أي يؤخذ المفهوم اليوناني الكلاسيكي. ما ليس جميلاً يُخفى أو يُموّه. الأهمية تُعطى للمظهر، لأن المظهر في النهاية هو الحقيقة. والحقيقة، بدورها، خيالية وتبدو أحياناً وكأنها بنت حكايا، كالبندقية مثلاً. لكن ما هو مخفي يمتلك أيضاً طاقة حكائية، تتجاوز أي مقدرة على ابتداع الخيال.. انطلاقاً من هذا الواقع، يتصرّف كل واحدٍ كما يشاء.

كل ما أقوله هنا أسمعه عادةً من الطليان حين يتحدّثون عن أنفسهم، لكنهم يغضبون جداً إن سمعوا نفس الكلام صادراً عن أجنبي، ومعهم كل الحق.

يشكّل الفاتيكان مصدر تشوّش في منظور الإيطاليين. فهو في قلب إيطاليا، وهو مركز المسيحية الكاثوليكية، لذلك يعتبر الإيطاليون أنه مركز العالم. هناك بشكل يومي أخبار عن الفاتيكان في مانشيتات الصحف في إيطاليا، لكنها أخبار بالكاد تخرج خارج إيطاليا. في الحقيقة، تبدو إيطاليا وكأنها محميّة معزولة، خارج الزمان الراهن، توفّر للفاتيكان بيئة مثالية لتحتضنه وتوفّر له كل ما يلزم من مظاهر الغلو، مثل مشاف يلجأ الأطباء فيها للاعتراض الأخلاقي للامتناع عن أشياء من قبيل تخدير المرأة قبل الولادة، لأنهم يؤمنون أنه من طبيعة الأشياء أن تتألم المرأة وهي تضع مولوداً؛ أو انعدام أي اعتراف قانوني بالعلاقات خارج الزواج، أو العلاقات المثليّة. هناك مشاهير يعرف كل الناس أنهم مثليون، لكنهم يتصرّفون وكأن أحداً لم يلحظ ذلك.

في إيطاليا، لا يخرج أحدٌ من الخِزانة.

لا يُهمل الرجل الإيطالي مظهره مع تقدّمه بالعمر، بل يعتني بنفسه: في حال كان شعره طويلاً فهو يُسرّحه بطريقة ملفتة للأنظار مفتخراً به، وفي حال كان أصلع فيحلق رأسه ويسعى لأن يكون لون جلده برونزياً. يرتدي الرجال الإيطاليون بناطيل ملونة، ويرفعون ياقة البولو، وبعضهم يلبس قبعات أميركية. الإيطاليون يسعون دوماً للاحتفاظ بمظهرٍ جذاب.

إيطاليا مُخدّرة بالسياسة.

عدا سيلفيو برلسكوني، لا يروي الإيطاليون النكت في العادة. الإسبان يقبلون على النكتة في كل الأوقات.

لو كان مركز الكنيسة الكاثوليكية خارج إيطاليا، في إسبانيا أو في أي بلد آخر، لما عاشت الكنيسة حتى يومنا هذا. لم يكن ممكناً لسان فرانسيسكو أن يولد في تورديسيجاس (إسبانيا)؛ ولا كان ممكناً لسان إغناطيوس أن يولد في نابولي.

حين فاز فريق نابولي بالدوري، دهن المشجعون الكلاب باللون الأزرق، وكتبوا على حيطان المقبرة: لو تعلمون ماذا فوّتتم على أنفسكم!

حين ينوي الإيطالي أن يقوم بشيء فسينجزه بدرجات دقّة تفوق القدرة البشرية الاعتيادية، أكان في السمو أو في الجهنّمية: لو كان هذا الشيء جميلاً فسيكون فائق الجمال، ولو كان بشعاً فسيكون قمةً في البشاعة. يمطّ الإيطاليون الحياة حتى أقصى حدودها. هم شعبٌ حيوي بامتياز.

لا شيء مُطلق في إيطاليا، بل كل الأمور نسبة. لذلك، إحدى الإجابات الشائعة هي «نعم، بكل تأكيد» أو«لا. بكل تأكيد». تُستخدم كتلة التوكيد الفاقد للمعنى هذه حتى مع أكثر الأسئلة تفاهةً.

إيطاليا أقل البلدان حداثةً، لكن هذا لا يتعارض مع أنه أكثر البلدان أصالة. بل قد يكون أحدهما سبباً للآخر.

مع ذلك، ثمة تلاقٍ مثير للاهتمام بين قِدم متحجّر وسرعة في تبنّي أفخر صرعات الموضة، أو بالأحرى خلق هذه الصرعات. تعيش إيطاليا تغيّرات كثيرة، لكنها تغيّرات سطحية دوماً.

كل شيء قابل للتفاوض في إيطاليا. من الشائع أن يسعى الناس للحصول على تخفيضات حتى في أكثر المحلات فخامة وسط روما، ومن الشائع أن يحصلوا على هذا التخفيض المرجو.

حين وصلت إلى إيطاليا، أوائل العقد الماضي، لم يكن هناك سوبرماركتات في كل وسط روما، بل فقط متاجر عائلية تقليدية. لم أجد زارا ولا أي ماركة تجارية عالمية أيضاً. فشلت كل هذه الماركات في اختراق هذه المدينة.

حين أواجه مشكلة أحاول أن أفكر: ماذا كان الإيطالي سيفعل لو أنه مكانك؟ لكنني أفشل في الإجابة لأنني أدنى من مستواهم بكثير.

لا يتشابه الطليان والإسبان في شيء، أبداً، أبداً، أبداً..

إيطاليا قادرة على تأهيلك للحياة، أي حياة. حتى لو كانت حياةً في كواكب أخرى.

كقادمٍ من إسبانيا، حيث تبالغ أي بلدية في العناية بأي أربع صخرات قديمة موجودة عندها، وتدعو لزيارتها وتهتم باستثمارها، أرتاح لأن الإيطاليين لا يفعلون هذا، ولا يقيمون له الكثير من الأهمية. هم غير مهووسين بالإشارة لموقع الكوليزيوم، ولا بتعبيد الطريق إلى بومبيا بالدعايات. لا أريد بهذا أن أقول أنهم لا يهتمون بالسياحة. ليس هذا قصدي.. ليس هذا قصدي.

في إحدى زوايا تلة البالاتين في روما توجد بقايا الأكواخ التي شكّلت النواة الأولى لهذه المدينة في القرن الثامن قبل الميلاد.. وما زالت هناك.

لا يمكن إصلاح هذا البلد.. لا صلاح لهذا البلد.

كل شيء هنا هزلي.

هذا بلد بديع الجمال

إنهم عباقرة.. عباقرة!

بلد عظيم

..
 
 
(اعتباراً من هنا يستحيل فكّ طلاسم المُلاحظات، إذ تصبح هلوسية، بلا أي معني. ثم تليها عدّة صفحات فارغة، بُقع صلصة بندورة، وعبارة واحدة في الصفحة الأخيرة: «أنا الآن على وشك مغادرة إيطاليا.. وأنا حزين جداً لفراقها»).

الحرق

خابيير كراي (Javier Krahe) موسيقي وشاعر إسباني، ولِد عام 1944 وتوفي في 2015. اشتُهر كراي بالكوميديا السوداء في كتاباته وأغانيه، إذ طوّر نسقاً إسبانياً من أسلوب الفرنسي جورج براسانس (وترجم بعضاً من أشهر أغاني براسانس إلى الاسبانيّة). شكّل كراي في أواخر السبعينات وعقد الثمانينات حالةً موسيقية في بارات ومسارح مدريد، وقدّم صورةً مضادّة للشاعر-المغني الدارج حينها، الملتزم سياسياً والمتجهّم دوماً، رغم أنه كان، بشكل أو بآخر، يشبههم شكلاً، ويتطرّق للمواضيع نفسها: الحب، الفقد، السياسة، العالم. لكن دوماً مع نفحة سخرية، وخصوصاً سخرية مريرة من الذات. 

هذه ترجمة لـ“الحرق“ (La Hoguera)، إحدى أشهر أغانيه، والمدرجة ضمن ألبومه الأول (Valle de Lágrimas) الصادر عام 1980، ويُناقش فيها مسألة حكم الإعدام بطريقته الخاصة. 

 
 

قضية حسّاسة للغاية، لا شك

العقوبة القصوى. 

إذ، عدا المحكوم، 

علينا أن نأخذ تفضيلات كل امرئٍ

بعين الاعتبار. 

خوزقة، رجم،

إغراق، صلب،

سلخ، فصم، 

كلها طرقٌ تستحق الإعجاب 

 

لكن اسمحوا لي، آهٍ، أن أفضّل 

الحرق، الحرق، الحرق. 

للحرق شؤون، لا أدري،

لكن وحده الحرق يمتلكها. 

 

أعلم بثبوت فاعلية، 

خراطيش فرقة الرماية؛ 

ورصاصة الرحمة في الرأس، 

مسك خِتامٍ خاص بحائط الرمي.

المقصلة، طبعاً، 

تمتلك أناقة كلّ ما هو فرنسي،

الرأس واقعاً داخل سلّة، 

بعيون مفتوحة وألسنة ممدودة. 

 

لكن اسمحوا لي، آهٍ، أن أفضّل 

الحرق، الحرق، الحرق. 

للحرق شؤون، لا أدري،

لكن وحده الحرق يمتلكها.

 

ليس عندي كفاية من عبارات الإعجاب،

كي أمنح غرف الغاز ما تستحق،

إذ أثبتت ريادتها لأداء المهمات الكبيرة. 

ولن أُنكر جمال اكتشاف تأرجح المشنقة، 

أو كيف يمطّ جسد المسحول،

حين يُربط من قدميه. 

 

لكن اسمحوا لي، آهٍ، أن أفضّل 

الحرق، الحرق، الحرق. 

للحرق شؤون، لا أدري،

لكن وحده الحرق يمتلكها.

 

أعترف أن الصعق بالتيار المتناوب

ليس فكرةً سيئة على الإطلاق:

الكرسي الكهربائي حديث،

أميركي، عملي. 

وأعلم أن عصّارتنا* الأصيلة

كانت فعّالة بشكل عظيم، 

لكبس الكُرة المعدنية، 

على الأعناق المتوحّشة

 

لكن اسمحوا لي، آهٍ، أن أفضّل 

الحرق، الحرق، الحرق. 

للحرق شؤون، لا أدري،

لكن وحده الحرق يمتلكها.

 
 

*العصّارة (Garrote vil) أداة إعدام اختُرعت في روما القديمة، ثم درجت في اسبانيا والبرتغال خلال فترة محاكم التفتيش والتوسّع الاستعماري، وبقيت مُستخدمة حتى سبعينات القرن العشرين. وهي عبارة عن كرسي مجهّز بطوق معدني يُربط حول عنق المحكومة، وفي طرفه الخلفي كرة معدنية تكسر عنق المحكوم حين يُشدّ رباط الطوق وتضغط على فقرات العنق، ما يؤدي للوفاة.

متلازمة لاهدنتس

حين زار الكاتب الفرنسي الشهير ستندهال كنيسة الصليب المقدس في فلورنسا، إحدى جواهر عصر النهضة الإيطالي، وصف ما شعر به عند رؤية كمّ الجمال والإبداع المعماري والفني في تلك الكنيسة في نصّ شهير، قال فيه أنه شعر بتسارع شديد في ضربات القلب، ودوار جعله يخشى الوقوع على الأرض، وصعوبة جمّة في التنفّس. كان هذا النص باكورة استخدام متكرر لما وُصف رومانسياً بـ ”متلازمة ستندهال“: أعراض الانفعال والوهن والدوار عند مشاهدة معلم جميل لدى بعض مرهفي الإحساس.

استُخدم مصطلح ”متلازمة ستندهال“، وما زال يُستخدم، في الأدب والكتابة، وحتى في اللغة المحكية، بشكل خاص الغزل المتثاقف من نمط: أصابتني متلازمة ستندهال حين رأيتك للمرة الأولى! وحصل أن عمل أخصائيون نفسيون على تأصيل المرض علمياً، ومُنح اسماً آخراً هو ”متلازمة فلورنسا“، في حين عارض أخصائيون آخرون تضخيم المسألة، بالذات فيما يخص ربط الإحساس بمدينة فلورنسا، إذ رأوا فيه دعاية سياحية مُبطّنة، تليق بدونالد دريبر ومجانينه.

عند هذه المرحلة من هذا ”النُصيّص“ يفترض أن أبتدع طريقة لتحويل الكلام من ستندهال وفلورنسا إلى الرقة. ليس لديّ أدنى فكرة حول كيف يمكن أن أكتب تحويلاً سلساً لا يُضيّع القارئ أو يُشعره بأنه دخل مُنعطفاً حادّاً بسرعة فائقة. من محاسن المدوّنة أنها تسمح لك ببعض الكسل في هذه الأمور، وأن تستعيض عن فعل شيء بتعبيرك عن عدم رغبتك في فعله. هذا ما فعله هذا المقطع.

تحدّثت كثيراً في فيسبوك في الفترة الأخيرة عن البحلقة في صور الدمار في الرقة ومحاولة تلمّس ملامح تسمح بمعرفة مكان التقاط الصورة: بقايا شارع، معلم ما، حطام بناء مُميّز.. الخ. في المرّة الأخيرة التي تطرّقت فيها لهذا الأمر قلت أنه يُذكّرني بطلاب الطب حين يتعلّمون تمييز ملامح الصور الشُعاعية والرنين المغناطيسي والإيكو، وكيف يأخذ الأستاذ بيدهم ويريهم الحدود الباهتة بين الأعضاء، وكيف يتعلمون تمييز التراكب، وغيرها من هذه الأمور. يحصل أيضاً أن يكون الأستاذ (خاصة إن كان شاباً) طاووساً بعض الشيء، ويبدأ باستعراض مهاراته في تمييز أشياء يستحيل على طالب طب، وربما أيضاً على طبيب غير مختص بالأشعة، أن يراها أصلاً.

أذكر، قبل سنوات طويلة، أن أحد معارفي، وهو تاجر سيارات، رأى ما كان مُصراً على أنه أثر ضربة تم إصلاحها في سيارة أحد أقربائي، والتي كان قد اشتراها على أنها خالية العَلام. تجمّع ما لا يقل عن خمسة أشخاص حول السيارة، بينهم أنا، وبدّلنا الزوايا وغيّرنا الإضاءة ولم نرَ شيئاً. لكن أمام إصرار ”الأخصائي“ قرر صاحب السيارة الذهاب إلى البائع، وبعد جدال طويلة وتحليفات وتهديد بطلب ”خبرة“، اعترف البائع أن السيارة فعلاً ”مضروبة“.

هناك ”أخصائيون“ يميّزون شوارع الرقة تحت الدمار والحطام هذه الأيام. كل صورة تظهر على فيسبوك تجمع حولها عشرات الرقاويين، ويبدأ النقاش حول أين أُخذت هذه الصورة: أليس هذا محل فلان؟ أليست تلك بناية كذا؟ تلك الزاوية هي الشارع الفلاني.. الخ

أشارك أحياناً في هذه النقاشات، لكنني أخوضها مع نفسي فقط غالباً. عقلي الباطن يحاول التباهي بذاكرة فوتوغرافيّة قويّة للغاية، وعقلي الأقل عمقاً يقمعه بين الحين والآخر.. سجالٌ تافه من ضمن سجالات تافهة كثيرة.

استيقظتُ اليوم على رؤية الصورة المنشورة أعلاه لساعة الرقة. ساحة الساعة هي دوّار أساسي في المدينة. يلتقي فيها شارع القوتلي (أي سوق المدينة الأساسي فيما يخص التبادل مع الريف الأقرب)؛ وشارع تل أبيض (أحد أطول شوارع المدينة وأهمها تجارياً)؛ وشارع الوادي (وهو شارع طويل آخر، يكاد يقسم المدينة إلى جزئين، شرقي وغربي)؛ وشارع يؤدي إلى مديرية التربية والسجن السابق، ثم حارة الشراكسة فالثكنة؛ ونزلة الساعة، التي تؤدي إلى الساحة الضخمة التي كانت تحوي تمثال حافظ الأسد الشهير الذي هوى، وهذه الساحة الضخمة هي فعلياً مدخل المدينة الرئيسي.

في نزلة الساعة عاشت الرقة إحدى مشاهدها الأيقونية الثورية، حين حاولت مظاهرة انطلقت بعد تشييع الشهيد علي البابنسي، أواسط آذار عام 2012، الوصول إلى ”ساحة الرئيس“. فتحت الشرطة العسكرية النار على المظاهرة واستشهد ما لايقل عن عشرة أشخاص. قبل فتح النار حاول بعض المتظاهرين إثبات سلميّتهم بفتح أذرعهم والجثو على ركبهم أمام حاجز الشرطة العسكرية، ما لم يمنع الأوباش ذوي القبعات الحمر من فتح النار عليهم.

على الزاوية الجنوبية الشرقية لساحة الساعة نجد (أو كنا نجد) مبنى البريد القديم، وقد دُمّر تماماً، وخلفه إبتدائية الرشيد؛ والزاوية الجنوبية الغربية مشغولة ببناء كان مدرسةً للإناث، ليتحوّل لاحقاً إلى ”شعبة التربية“ لحزب البعث. في شرق الساحة فندق اسمه ”غرناطة“، قديم ومتهالك، لا أدري لماذا يرتبط في ذهني بأغاثا كريستي، رغم أنها لم تزر الرقة، وخلفه يظهر بناء ضخم وجميل، وهو بيت آل الكعكجي. باقي ما يُحيط بالساحة هو محلات تجارية.

وسط الساحة هناك برج الساعة، الذي بُني في الستينات، وكان مكانه مشغولاً قبل ذلك بسينما صيفية (حسبما أسمع من الرفيق الوالد). كان ثمة تمثال مزدوج يعلو الساعة، سوفيتي القوام، لرجل وامرأة يحملان مشعلاً. كانت الساعة معطّلة على الدوام، وتعمل فقط عند تغيير رئيس البلدية. يحاول دوماً رئيس البلدية الجديد إثبات أنه ”شغّيل“ عبر تشغيل الساعة لبضعة أسابيع. أحد هؤلاء لبّس برج الساعة حجراً سورياً أوائل التسعينات، وأحاطها بسياج من نفس الحجر، ثم قام آخر بإضافة مكبرات تصدر صوتاً مزعجاً للغاية رأس كل ساعة، صوت يُفترض أنه موسيقى أجراس. من حسن الحظ أن الساعة كانت تتعطّل بسرعة.

كأماكن كثيرة أخرى من الرقة، أعرف تلك المنطقة جيداً، ولديّ، كما قلت، ذاكرة فوتوغرافية قادرة على تمييز ملامح الأبنية رغم مرور السنين. مع ذلك، قضيت دقائق طويلة أتفحّص الصورة: هذه هي الساعة، لكن من أي زاوية التُقطت الصورة؟ عُرض الشارع يترك خيارين فقط: إما شارع القوتلي أو شارع الوادي. القوتلي؟ إذاً المدرسة على اليسار، وهذا الذي على اليمين هو فندق غرناطة. لكن الملامح مختلفة.. إذاً الوادي؟ لا.. الوادي مستحيل. الخ

في خضمّ هذا الحوار، المتكرر مع كلّ صورة، تذكرت المرحوم ستندهال. في هكذا حالة، حين تظهر أمامي صورة لدمار الرقة (لا أبحث عن الصور بحثاً، لكن لا أتجنب رؤيتها حين تظهر أمامي) أشعر بنفضة صدرية مفاجئة، وحوار ذاتي قد يدوم أجزاء من الثانية حول هل أتفحصها أو لا. لتبدأ دقات القلب بالتسارع مع تمييز ملامح قريبة من شارع المنصور، ثم تعرّق بارد، ثم فتحً أبله لتشات الفيسبوك لرؤية من من أصدقائي أو أقربائي على الخط (وغالباً ما يكون طارق الشام هو ”ضحيتي“) كي نتبادل الخبرات حول الصورة..

ليست هذه العملية شأناً خاصاً بالرقاويين بطبيعة الحال، فهي حالة عاشتها مدن وبلدات كثيرة من الجغرافيا السورية للأسف. يُميّز الرقة قلّة الصور، وعدم القدرة على التواصل مع من بإمكانه أن يُصوّر لك شيئاً محدداً. ربما هذه الأخيرة جيدة، لأنني لستُ متأكداً من رغبتي برؤية حارتي اليوم، صراحةً. الفظاعة جذّابة، للمفارقة، وكلما كانت الفظاعة أقرب كلما كانت أكثر ألماً، وجاذبيتها أكثر مغناطيسية. يحدث أن أخاف من هذا الشيء، وأخاف على من لا يخافه بشكل مسبق، وهنا أفكر بوالدي بشكل خاص. هو الآخر ”متفحّص صور“ محترف منذ خرج من الرقة قبل شهرين ونيف. يخطر لي أحياناً أن أطلب منه ألا يفعل، ولا أجرؤ، لأنني أعلم أنه طلب غير ذي جدوى.

لم أُصب بالدوار، لكن أعرف من أُصيب به عند رؤية صورة. أعرف من بكى عندما شاهد مقبرة الرقة مجروفة، وأعرف أنني لست الوحيد الذي يعيش تسارع ضربات القلب والتعرّق البارد والبحث الفُجائي عن ”إمداد“ من آخرين، على تشات الفيسبوك أو على الهاتف. إمدادٌ لا يبدو بحثاً عن رأي إضافي أو معلومة مُساعدة بقدر ما هو مؤازرة: لا أريد أن ”أتعرّف“ على هذا المشهد لوحدي.

ليست الرقة فلورنسا، وليس أحدٌ منا ستندهال، وليس الأمر ردّة فعلٍ على الجمال، بل تفحًص الشناعة بأشنع تجلياتها. ما وصفته أعلاه ليس حتى ”مُتلازمة“. لكن نرجسية الكآبة الرقاوية جعلتني أفترض أنه متلازمة فعلاً، وأنه هذه المتلازمة ليست إلا خيال مرآةٍ غروتِسكي لمتلازمة ستندهال، ومن هنا فذلكة عكس ترتيب حروف اسم الكاتب الفرنسي في العنوان.

“اكتشاف” أميركا والتاريخ الرسمي

في الثاني عشر من تشرين الأول (أكتوبر)، “يحتفل” العالم الناطق بالاسبانية بذكرى “اكتشاف” أميركا على يد كريستوف كولومبوس. النص المُترجم أدناه لإدواردو غاليانو، الكاتب والصحفي الأوروغواياني الشهير، والذي توفي قبل عامين ونصف. لغاليانو كتاب شهير بعنوان عروق أميركا اللاتينية المفتوحة (1971) يُراجع فيه تاريخ أميركا اللاتينية منذ بداية الاستعمار الأوروبي وحتى الزمن المُعاصر. للكاتب عدّة نصوص ساخرة دارجة عن “اكتشاف” أميركا وعن “التاريخ الرسمي” الذي كتبه المنتصرون، منها ما هو مُقتطف من الكتاب المذكور، وأخرى، مثل هذا النص، نُشرت في منابر صحفية متعددة.

 

هل اكتشف كريستوف كولومبوس أميركا عام 1492؟ أم اكتشفها الفايكينغ قبله؟ وقبل الفايكينغ، ماذا عن الذين كانوا يعيشون هناك؟ ألم يكن لهم وجود؟

يقول التاريخ الرسمي أن باسكو نونيث دي بالبوا كان أول إنسان رأى المحيطين معاً من على قمة جبلٍ في بنما. ماذا عن الذين كانوا يعيشون هناك؟ أكانوا عمياناً؟

مَن وضع الأسماء الأولى للذُرة والبطاطا والبندورة والشوكولا؟ مَن سمّى جبال وأنهار أميركا؟ هيرنان كورتيس؟ فرانثيسكو بيثاررو؟ هل كان قاطنو أميركا قبلهم خرساناً؟

أخبَرونا، وما زالوا يُخبروننا، أن حجاج مايفلاوير جاؤوا لاستيطان أميركا. هل كانت أميركا خالية قبلهم؟

لأن كولومبوس لم يفهم ما يقولون، ظنّ أنهم لا يعرفون الكلام.

لأنهم كانوا عراة ومسالمين، يعطون كل شيء دون مقابل، ظنّ أنهم ليسوا بشراً عقلانيين.

ولأنه كان واثقاً من أنه وصل إلى الشرق من بابه الخلفي، ظنّ أنهم هنود من الهند.

لاحقاً، في رحلته الثانية، سكّ الأدميرال وثيقة تقول أن كوبا جزء من قارة آسيا.

هذه الوثيقة -كُتبت في الرابع عشر من حزيران 1494- تنصّ على أن أعضاء طاقم سفنه الثلاث يُقرّون جميعاً بذلك، وأنّ من ينكر منهم ذلك سيواجه عقوبة الجلد مئة جلدة، ويُغرّم بعشرة آلاف مارابيدي (العملة الاسبانية آنذاك)، ويُقطع لسانه.

الكاتب بالعدل، هيرنان بيريث دي لونا، خطّ توقيعه على الوثيقة.

تحت توقيع الكاتب بالعدل، وقّع من البحّارة من يعرف كيف يوقّع.

لقد طالب الفاتحون أن تكون أميركا ما لم تكن. لم يروا ما يرون، بل ما كانوا يريدون رؤيته: نبع الشباب، مدينة الذهب، مملكة الزمرّد، بلد القرفة. وصوّروا الأميركيين على صورة ما كانوا يتخيلونه عن وثنيي الشرق.

كريستوف كولومبوس رأى في سواحل كوبا حوريات، بوجوه بشرية وريش ديكة، وعرف أنه، في مكان غير بعيد عن هذا، للرجال والنساء ذيول كالحيوانات.

في غوايانا، حسب سير والتر راي، كان هناك بشر بعيونٍ على الأكتاف، وأفواه في الصدور.

في فنزويلا، حسب الفرير بيدرو سيمون، كان للهنود آذان طويلة تصل إلى الأرض.

في نهر الأمازون، حسب كريستوبال دي أكونيا، كان للسكان الأصليين أرجل معكوسة: كعوبهم إلى الأمام وأصابعهم إلى الخلف. وحسب بيدرو مارتين دي آنغليريا، تستأصل النساء أحد ثدييهنّ كي يصوّبن السهام على الأقواس بشكل أفضل.

آنغليريا، الذي كتب أول تاريخٍ لأميركا رغم أن قدمه لم تطأ أرضها قط، أكد أيضاً أن هناك أناس بذيول في العالم الجديد، حسبما روى كولومبوس، وروى أيضاً أن ذيولهم طويلة لدرجة أنهم لا يستطيعون الجلوس إلا على مقاعد مثقوبة.

منع القانون الأسود تعذيب العبيد في المستعمرات الفرنسية. لكن لم يكن التعذيب، بل التأديب، حجّة السادة كي يجلدوا عبيدهم السود ويُقطّعوا أربطتهم العضلية.

شاعريةٌ كانت قوانين الهند، التي نصّت على حماية الهنود في المستعمرات الإسبانية. الأكثر شاعرية منها كان منظر أعواد المشانق في ساحات البلدات.

مُقنعةٌ كانت قراءة البيان قبل اقتحام كل قرية، بيانٌ يشرح للهنود أن الله أتى إلى العالم، وأنه ترك القديس بطرس خليفةً له، وأن الأب الأقدس هو خليفة القديس بطرس، والأخير منح الملكة إيزابيل كل هذه الأراضي، ولهذا السبب كان عليهم أن يُغادروها أو يدفعوا جزية ذهبية، وفي حال التأخير أو الرفض فإنهم سيُحاربَون وسيتم استعبادهم هم ونساؤهم وأطفالهم. لكن هذا البيان كان يُتلى على أعلى تلة ليلاً، باللغة القشتالية ودون ترجمان، وبوجود كاتبٍ بالعدل يوثّق قراءته لكن دون وجود أي هندي. الهنود كانوا نائمين على بعد أذرعٍ قليلة، ولا علم لهم بما سيحلّ بهم.

حتى ما قبل سنواتٍ قليلة، كان اسم الثاني عشر من تشرين الأول يوم العِرق.

لكن، هل هناك وجود لهذا الشيء؟ ما معنى عِرق فعلياً، عدا كونه كذبة مفيدة لاستنزاف الآخر وإبادته؟

عام 1942، حين دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، قرر الصليب الأحمر في الولايات المتحدة أن الدم الأسود لن يُقبل في بنوك الدم. كانوا يريدون تحاشي اختلاط الأعراق، التي كان ممنوعاً عليها أن تختلط على الأسرّة، عبر عمليات نقل الدم. هل رأى أحدكم يوماً دماً أسوداً؟

بعدها، غيروا اسم يوم العِرق إلى يوم التلاقي.

هل كان الاجتياح الاستعماري تلاقياً؟ اجتياح الأمس، اجتياح اليوم، تلاقي؟ أليس من الأولى أن يُسمّى اغتصاباً؟

لعلّ أكثر فصول تاريخ أميركا تجلياً هو الذي حصل في تشيلي عام 1563. كان حصن آراوكو محاصراً من قِبل الهنود، ومحروماً من الماء والطعام. لكن الكابتن لورينثو بيرنال رفض الاستسلام، وصعد إلى أعلى التحصينات وصرخ:

– سيكون عددنا أكبر فأكبر.

– بأي نساء، صرخ زعيم الهنود.

– بنسائكم، سنجعلهن يحبلن بأبناءٍ سيكونون سادتكم.

قال الفاتحون أن الأميركيين القُدامى هم آكلو لحوم البشر. لكن آكل لحوم البشر فعلاً كان ثيرّو ريكو دي بوتوسي (جبل في بوليفيا، وهو أحد أكبر مناجم الفضة في أميركا اللاتينية)، الذي كان ينهش لحم الهنود لتغذية النمو الرأسمالي لأوروبا.

قالوا عنهم أيضاً أنهم مشركون لأنهم آمنوا بقدسية الطبيعية، وبأخوّة كل الكائنات التي تمشي على قدمين، أو تطير بأجنحة، أو لها جذور في الأرض.

قالوا عنهم أنهم متوحشون. في هذه، على الأقل، لم يخطئوا. كان الأميركيون القدامى متوحشين لدرجة أنهم لم يعرفوا أن عليهم أن يطلبوا تأشيرة دخول وإذن عمل ووثيقة حسن سلوك من كولومبوس، كابرال، كورتيس، ألبارادو، بيثارّو، وحجاج مايفلاوير.