رؤوس أقلام عن بلدٍ لا يُصدّق

كتب إينيغو دومينغث هذا النص العام الماضي في مجلة جوت داون الثقافية الإسبانية. دومينغث أحد أقدم المراسلين الصحفيين الإسبان في روما، حيث يعمل منذ أكثر من عشرين عاماً كمراسل لجريدة إل كوريو الباسكية، بالإضافة لمساهماته الإعلامية في الصحافة المكتوبة والتلفزيون والراديو. هو أيضاً أحد المساهمين الفاعلين في مشروع جوت داون، وهي مجلة إلكترونية ثقافية بدأت تصدر قبل نحو سبعة أعوام، وعدا موقعها تُنتج مجلة شهرية مطبوعة، كما تُساهم في إنتاج «سمارت»، أحد الملاحق الثقافية لجريدة إل باييس.

*****

وجد مراسل عُيّن جديداً في روما هذه الملاحظات في درج مكتب سلفه، في شقةٍ غارقة في فوضى عارمة، وكأنها هُجرت على عجلٍ. كان المُراسل السابق قد انهار عصبياً يوم طُلب منه أن يكتب مقالاً خفيفاً -من نمط مقالات ملاحق نهاية الأسبوع- عن طِباع الإيطاليين، وكم يشبهون الإسبان وكم يختلفون عنهم.

بعد شهرٍ من العلاج بالأدوية العصبية صدر قرار نقل المُراسِل السابق إلى باريس، حيث يعيش الآن حياةً هنيئة. فيما يلي ما أمكن فكّ طلاسمه من المُلاحظات المدوّنة على دفتر.
 
 

يُشبه الوصول إلى روما لحظة دخولك إلى منزل جدّتك.

فندق الأربع نجوم في إيطاليا هو كفنادق النجوم الثلاث من حيث الجودة، لكن كفنادق الخمس نجوم من حيث السعر.

للأسرّة الزوجية في إسبانيا مخدّة واحدة طويلة. هنا في إيطاليا يستخدمون مخدتين أصغر.

صحيحٌ ما يُعتقد: الإيطاليون يأكلون الباستا بشكل شبه يومي.

ليس لديهم هليون مُعلّب، ولا زيتون محشي، ولا سجق، ولا دونَتس.

يبدو الطليان وكأنهم محكومون بمسلّمة مُحيّرة: إن كان بإمكانك أن تخدع أحداً ولا تخدعه فأنت غبي. كأجنبي وصل حديثاً أعاني هذا الأمر بشكلٍ يومي.

الكثير من الأشياء فاحشة الغلاء هنا: طبيب الأسنان، تأمين السيارة، الوقود، السمك.. هذا غير مفهوم. ثمة من يسرق كثيراً هنا!

شيء لا يصدّق. لديهم إحدى أعلى نسب الضغط الضريبي في العالم، فالبشر هنا يعيشون محترقين في نير الضرائب، لكن بالمقابل لديهم خدمات عامة وبُنى تحتية عالمثالثية. ثمة من يسرق كثيراً هنا!

كيف يعيش الناس؟ كيف يتدبرون أمورهم؟ لا أفهم.

يكاد من المستحيل أن تجد إيطالياً يقلي بيضةً. بالكاد يأكلون المقالي هنا. في الحقيقة، هناك تنوّع هائل في الخضار والفواكه، ولكلّ منها مذاقه الصحيح.

في الحقيقة، ليس هناك في إسبانيا نظام غذائي متوسطي.. هذه خرافة.

في إسبانيا، يتبادل الناس القُبل من اليسار إلى اليمين، بينما في إيطاليا من اليمين إلى اليسار. الإسبان والطليان يتناطحون حين يتبادلون القُبل.

على عكس إسبانيا، لا تقبّل خدّي إيطالية كتحيّة تعارف، إذ يُعتبر هذا سلوكاً إقتحامياً مستهجناً. يجب ترك هذا الأمر لمرحلة لاحقة، حين تُبنى ثقة متبادلة. من الجوهري جداً اتباع أصول الكياسة هنا.

الصحف في إيطاليا لا تُقرأ، بل تفك شيفراتها.

في أي جريدة إيطالية تجد الخبر، وبجانبه ما وراء الكواليس، ما وراء الخبر.

تجد إسبانيا في أخبار إيطاليا فقط حين يطعن ثورٌ مصارعه بقرونه. بينما إيطاليا مصدر أخبار مستمر في الصحافة الإسبانية.

لا أتذكر متى كانت آخر مرة سمعت فيها حديثاً عن المُخابرات في إسبانيا، في حين هي موضوع حديث يومي في إيطاليا.

قد يكون ذلك لأنه لا توجد أسرار في إيطاليا. كل شيء يُعرف ويفتضح، ما يساهم في الفوضى العامة. مضى على وجودي هنا شهور ولم أفهم شيئاً بعد.

إيطاليا هو البلد الذي قد تجده مغلقاً بالكامل بسبب الإضراب حين وصولك إليه.

في إيطاليا تُسمّى النشرة المُصاحبة للأدوية Bugiardino، أي «الكذّاب».. «الرجاء قراءة الكذّاب بتمعّن قبل تناول الدواء». مصطلح آخر، يُساهم في توضيح علاقة هذا البلد مع المعاني، هو التسمية التي يطلقونها على الميزانية التي يعطيك إياها السمكري أو النجّار أو ما شابههما قبل البدء بعمله: «الوقائي».

هناك، على ما يبدو، إسبانيتان. لكن هناك مئات الإيطاليات. هذا البلد منقسمٌ على انقساماته. ملاحظاتي هذه تخص روما بشكل أساسي، ولا أعلم إلى أي درجة تصلح لمناطق أخرى.

في أحد الأيام، حصل إضرابٌ لعمال صيانة الإشارات الضوئية في نابولي، وحرِصوا على تعطيل كل الإشارات الضوئية في شوارع المدينة خلال الصباح، لكن السير مشى يومها باعتيادية تامة.

هناك في كلّ مكان أشخاص أو أشياء قد يعتقد البعض أنهم نذير شؤوم، لكن هذا الأمر إيمانٌ مطلق في إيطاليا.. الناس هنا مُتطيّرون جداً.

لو طرحنا نفس السؤال على إسباني أو إيطالي: هل هذا أبيض أم أسود؟ الإسباني سيجيب: «هذا أبيض». في حين سيجيب الإيطالي:«يعني.. لا أستطيع ألا أقول أن.. من المؤكد أنه النقيض التام للأسود، وهذا ما يمكن أن يقال عنه، عملياً، أنه مُعاكس السواد، أعني.. ربما أبيض».

كيف نفسّر ما سبق: إنهم يبحثون دوماً عن كسب الوقت. لا يتهوّرون. لا يغلقون أبواباً قبل الأوان.

المجهول هو منطقة محفوفة بالمخاطر، والمعروف في منطقة مجهولة يُساعد في تقليل المخاطر. يعتبر الإيطالي النمطي الذهاب إلى مشفى، أو إلى ميكانيكي سيّارات، دون وساطة أو مرافقة أحد الثُقاة فعلاً مفرطاً في تهوّره.

ليس لديهم أدنى إحساس بالواجب هنا. أعجز عن الاستيعاب..

يولي الإيطاليون أهمية كبرى لأفكار وتصوّرات الآخرين عنهم. في هذا المجال، قد يصلون إلى درجات مفرطة من الرياء والتزلّف لمن يريدون منه أمراً ما. كذلك، لديهم اهتمام كبير بالخارج، بدولٍ أخرى. الإسبان أكثر انغلاقاً. إسبانيا بلدٌ منطوٍ على نفسه.

علينا أن نستخلص المعاني ممّا نجده مكتوباً على جدران بارات إسبانيا. أشياء من قبيل: ما أجمل هذا النهار، كن واثقاً إذاً أن أحداً ما سيخّربه.

الإسباني غاضب عادةً، وأحياناً يكون مرحاً. الطليان على العكس تماماً: هم مرحون دوماً، ونادراً ما يغضبون، حتى حين يكون هناك سبب وجيه للغضب. هذا أحد أهم أسباب مشاكلهم.

ثمة انقطاع ثقافي حاد بين إسبانيا وإيطاليا، إذ قلّما تصل كتب أو أفلام من بلدٍ إلى الآخر. عدا ذلك، تاريخياً أتت التأثيرات الإيطالية إلى إسبانيا مُحلاّة بشكل مبالغ به: غراثيلسو، عصر النهضة، فيلاثكيث رساماً في روما، أو أفلام بِرلانغا الكوميدية على الطراز الإيطالي. للأسف، في السنوات الأخيرة لا تصلنا من إيطاليا إلا السخافات من نمط لاورا باوسيني.

كإسبانيا، لا أحد في إيطاليا قرأ دون كيشوت حقيقةً.

إيطاليا بلدٌ غير محكوم، متروكٌ لنفسه وللإيطاليين، الذين عليهم أن يتدبّروا أنفسهم بأنفسهم للبقاء على قيد الحياة.

المجتمع الإيطالي قبلي، مُكوّن من قبائل متناهية الصغر تتصارع فيما بينها طوال الوقت.

لو حاولنا إيجاد ملمح جمعي للإيطاليين فسيكون الغرور، لكنه ضربٌ من الغرور قد لا يكون بالضرورة سلبياً، بل مسرحيّ بامتياز، شيء من قبيل الحاجة المستمرة لإثبات الوجود. ومن هنا تأتي مصطلحات جوهرية لفهم العقل الإيطالي: التمثّل الجميل Bella figura، أي أن تبدو بشكل لائق وصحيح؛ أو التمثّل الخُرائي Figura di merda، أي أن تبدو بشكل خاطئ، دوماً من وجهة النظر التمثيلية المسرحية. حياة التمثّل هذه هي ما يشرح الخطاب، الطقوس، السلوكيات، الرياءات، تدرّجات السلطة، والثياب. الجماليات. لا يطيق الإيطاليون غياب الجماليات ولا قلّة الاهتمام بالتفاصيل، أو ضعف الحرص على الأشياء، وعلى مجال النظر. الإسباني، بدوره، يفشل في استيعاب الجماليات، التي يعتبرها تكلّفاً يُعيق الوضوح؛ ويعتقد أن الجوهر ليس في المادة، وأن لا أهمية كبيرة للأشياء. الإسباني أخرق في التعامل مع المظاهر

كلّ إيطالي هو «شخصية» قائمة بحد ذاتها.

في مفهوم الإيطاليين، أسوأ ما يمكن أن يحصل لك هو cadut di stile، أي سقوط ”ستايلك“. هذا بمثابة فقدانك لـ «شخصيتك».

الطليان لا يقبضون أنفسهم بجدية، على عكس الإسبان. لكنهم يؤمنون أكثر بشخصياتهم. القِناع هو المهم. في هذا المجال، هم واقعيون فيما الإسبان مثاليون. الإيطالي يمارس النقد الذاتي بشكل طبيعي ولا يخدع نفسه.

لدى الطليان موهبة فطرية للخطابة الدائرية، واستخدام التفاصيل كأراجيح بين عبارةٍ وأخرى. يؤخرون الوصول إلى جوهر الموضوع، أو لبّ ما يريدون قوله، قدر الإمكان.

الإيطالي إنسان مركّب، وحتى لو لم يكن كذلك فعلاً فهو قادر على تصنّع ذلك. بالمقابل، الإسباني ثنائي، سريع الكشف عن نفسه، ويفخر بأنه بسيط، واضح، مباشر.

الإيطالي مُستمع جيد، إذ يدرس كلّ ما هو أمامه. الإسباني، على العكس، مستمع شديد السوء. لكن الإيطالي يحتاج دوماً لجمهور، فيما يكتفي الإسباني على الأغلب لشخص واحد يتحدث معه. لذلك، تجد دوماً في موائدنا، نحن الإسبان، عدداً كبيراً من المحادثات الثنائية المتراكمة فوق بعضها البعض. نحن ثنائيون، كما سبق وأن كتبت.

يقضي الإيطالي حياته وسط شكّ خلقي: لا شيء فعلاً كما يبدو، ودائماً وراء الأكمّة ما وراءها. لذلك، الحياة بالنسبة للإيطالي هي مزيج بين الاستراتيجية والتمثيل، والمكائد والأقنعة. الأمر في النهاية أشبه بلعبة، حيث يمكن أن تربح أو تخسر. الإيطالي واضح في أنه لا يريد أن يخسر، ولذلك ينظر للعبة بجدّية بالغة، حتى لو كانت مُسلّية أحياناً.

في هذا الجو، ليس «التطبيق» إلا صُداعاً مستمراً. لعبة جنونية، حيث عليك أن تحاول الإغواء باستخدام وسائل قديمة للغاية.

مجدداً هناك إضراب اليوم، ككل أيام الجمعة. فظيعون. لا إضرابات يوم الأربعاء.

ليست إيطاليا بلداً جدياً، بل أنها بلد الهزل والفكاهة والهجاء، وهي الأسلحة المضادة للسلطة وللمُعتقدات. فعلياً، ليست إيطاليا بلد ثوار، لكنها بلد أبطال ومجانين رائعين.

لا أحد يمكن أن يكون جدّياً كما الإيطالي حين يكون جدّياً؛ مثلما لا أحد يمكن أن يكون جدّياً بقدر طفلٍ جدّي.

يقول فييليني عن الطليان أن لديهم قدراً من الطفولة الفوضوية، عديمة المسؤولية، الشقية، الجذّابة. لذلك، اخترعوا النوتيلا، وبطاقات بانيني للاعبي الكرة، ودون ميكي، وهي أشياء تُعامل ككنوز وطنية. البالغون الإيطاليون يستخدمون تعبيرات الأطفال للإشارة لقضاء الحاجة، ودون أي خجل من ذلك، كما يأكلون الكثير من الجيلاتو، كأطفالنا.

الإيطالي عاجز عن الوقوف عند دوره في طابور انتظار، فكلٌ منهم يتدبر أمره كما يستطيع، ولا أحد يُحاكم أحداً. كذلك لا يمكنك الوثوق بالقضاء الإيطالي كثيراً. يبقى لديهم عدالة يوم القيامة، التي يُنتظر ألا تكون موجودةً فعلياً، أو أن تجري ثم يكتشف الجميع أنها كانت عبارة عن مزحة، ويبقى كل شيء كما هو عليه الآن.

كمية البيروقراطية والتعاملات الورقية في هذا البلد مذهلة. تخيّل أنهم ما زالوا يستخدمون الشيكات والفاكس. عدا ذلك، لا أحد يعرف علم اليقين ما هو المسار القانوني لمعاملة ما، أو ما هي الأوراق اللازمة لإنهائها. لا يوجد جواب موحّد لأي سؤال، مهما كان هذا السؤال واضحاً. لا يوجد أي يقين هنا.. لا أدري كيف لا ينهار هذا البلد!

ليست هناك أدنى فرصة لمقاومة هذا الأمر. لا يتبقى لديك إلا التسليم والصبر.

طِباع الإيطاليين هي الطريقة الوحيدة كي لا تُصاب بالجنون في هذا البلد. هي تدبّر بحت للبقاء على قيد الحياة.

لهذا السبب، ربما، لا أحد مثلهم يعرف كيف يستمتع بالجوانب الجميلة للحياة.

طريقة تعاملهم مع النساء مذهلة، على سبيل المثال كمية النساء- المزهريات اللواتي يحرصون على إظهارهن في التلفزيون. للإيطالي كمونٌ ذكوري خلقي، لا يراه مُهيناً على الإطلاق، بلا على العكس تُرى هذه الذكورية التشييئية على أنها تشريفٌ للجمال.

الإيطالي لا يسترخي عند شرب الكحول، ولا يسكر، إذ يخشى الظهور أو التصرّف بشكل غير أنيق. في هذا المجال، الإسباني أكثر بدائية. لهذا السبب أشرت سابقاً إلى أن «التطبيق» أصعب هنا.

لا يشربون الكوكتيلات، وليس لديهم أدنى فكرة عن طريقة تحضيرها. لم أجد في كلّ روما باراً واحداً يُقدّم جِن-تونيك مُحضّراً كما يجب.

يُعجب الإسباني بموهبة الإيطالي في التعامل مع التفاصيل والشياكة. بدوره، الإيطالي مُعجب بعبوس الإسبان.

يُصدم الإسباني حين يصل إلى إيطاليا بغياب العفويّة في هذا البلد، أكان ذلك بسبب الاهتمام بالكياسة، أو بسبب التكلّف المبالغ به. هم فاشلون للغاية في التعامل الطبيعي، ويحتاجون دوماً للتقوقع وراء مظهر. بالمقابل، يعتبر الطليان أن الإسبان متجهّمون ومباشرون بشكل مبالغ به، وهذا يثير لديهم بعض الإعجاب، لأنهم يرونه كدليل نزاهة وأصالة عندنا، على عكس بلدهم، الذي يُعبّرونه مُنحطّاً للغاية. حين يكون الإيطالي خارج إيطاليا يرمي الذنوب كلها على إيطاليا والطليان. الإيطالي لديه مفهوم شديد السلبية عن «الإيطاليين»، هذه المجموعة التي تبدأ حيث تنتهي مجموعة الأهل والأصدقاء المقرّبين وأهل الثقة. الإسباني -أكتشف الآن في إيطاليا- لديه إيمان عميق بالمُثُل، بالخير، بالحق، بالخلاص، بالثواب. الإسباني ساذج.

في إيطاليا، أسوأ الذنوب أن تبدو غبياً. في حين أسوأ الذنوب الإسبانية أن تبدو ذكياً.

يفضّل الإسباني المرور دون أن يشعر به أحد، ألا يظهر. الإيطالي يبالغ في الأداء من أجل لفت الانتباه. يحب الإيطالي أن يكون بطل المشهد، وأن يُتاح له إظهار مزاياه، ولأجل ذلك، يسعى دوماً لإيجاد تواطؤات مع الآخرين.

منظور الإيطالي للحياة شديد القسوة، إذ لا يتأمل شيئاً على الإطلاق -بالمقابل لديه دوماً أحلام كبرى- وعمقه شديد التشاؤم، أظلم بكثير من العمق الإسباني. الإيطالي يتلطّى وراء الصورة النمطية، لكنه في الواقع شديد العملية فوق أي قيمة أخرى. يعتقد الإسباني أن هناك رفعة روحية ما في القيام بأفعال نبيلة دون انتظار مقابل، والإيطالي لا يفهم هذا الأمر أبداً.

العفوية والطبيعة في إيطاليا موجودة في الفن، في مئات الزوايا حيث بإمكانك أن تتنفس ضرباً من النعمة، وانسجاماً غامضاً.

الكثير من الأطفال الإيطاليين يمارسون رياضة المبارزة بالسيف.

يحب الإيطاليون إسبانيا، لأنها غير مُعطّلة، أو هذا ما يقولون.

لو أن إيطاليا غير معطّلة فستكون بلا شك أروع بلد في العالم، لكن من المُحال أن تحصل على كل شيء في الحياة.

زار جوليو أندريوتي إسبانيا عند بدء التحوّل الديمقراطي فيها، وحين سُئل عن رأيه بالوضع السياسي في إسبانيا أجاب «تنقصكم الأناقة».

آلدو مورو، زميله في الحزب الديمقراطي-المسيحي الإيطالي، كان يستخدم في خطاباته مصطلحات من قبيل «التقاءات متوازية».

من السهل في إيطاليا أن تعرف أيّ فريق كرة قدم تشجّع كل شخصية عامة. هناك روابط مشجعين داخل البرلمان تجمع سياسيين من أحزاب مختلفة، في رابط إيديولوجي أرفع وأكثر صلابة من الإيديولوجيا السياسية: قد تُغيّر حزبك أو كتلتك البرلمانية، لكنك لن تغيّر فريقك أبداً..

قضيت بضعة أيام في إسبانيا مؤخراً. كم يبدو الناس قليلي تهذيب وكياسة في إسبانيا، صوتهم عالٍ دوماً. وكم نبدو ريفيين. نحن أقبح أيضاً.

حين أصل إلى إيطاليا أتوجّه فوراً لشرب القهوة المُحضّرة كما يجب. أحياناً أفعل ذلك في المطار حالما تهبط الطائرة.

يعتقد المرء أن التلفزيونات الإيطالية تعيسة، إلى أن يُشاهد التلفزيونات الإسبانية.

يظهر الكثير من الرهبان والراهبات في التلفزيون الإيطالي. هناك دوماً راهب أو راهبة في أي مسلسل تلفزيوني. أيضاً، من السهل أن تراهم يمشون في الشارع.

وضعهم سيء، لكن الإيطاليين أقل هوساً بالموبايل من الإسبان.

بإمكانك أن تقطع الشارع من منتصفه في إيطاليا، وسيسمحون لك بالمرور. أما في إسبانيا فسيوجّه السائق المقود نحوك وكأنه ينوي دهسك.. يريد إخبارك أنك مخطئ، وأن القانون في صفّه.

لو خُضت حرباً في صفّ إسبانيا فمصيرك الأرجح هو الموت. أما لو خضتها في صفّ إيطاليا فستموت فقط إن لم يكن هناك مفرّ من ذلك. الإيطاليون يسعون بشكل مستمر لاكتشاف طرق بديلة.

لا تجد بيوت دعارة في إيطاليا، فالفتيات يعرضن أنفسهن في الشوارع. يُذهل الإيطاليون حين يرون نوادي الطرقات في إسبانيا.

في إيطاليا كانوا يعرفون بوجود الفورمولا واحد قبل ظهور فرناندو ألونسو.

من الشائع في إيطاليا ألا تفهم كلام من يعيش بعيداً عنك ساعة قطار. اللغة الإيطالية كما نعرفها هي نتاج التلفزيون الإيطالي في الخمسينات، لكن أكثر من نصف السكان هنا يتحدثون بلهجات محلية مع أهلهم وأصدقائهم.

لقد خدعني لحّام الحيّ مجدداً. لماذا؟ ألم يفكر للحظة أنني لن أشتري من عنده مجدداً وسيخسر زبوناً؟ أفشل تماماً في استيعاب طريقة تفكيرهم قصيرة المدى.. إنهم انتحاريون!

حين يلعب الطليان كرة القدم، حتى لو كانت مباراة تسلية بين أصدقاء أو جيران، فإنهم يفتعلون الأخطاء ويتشاجرون عليها كما لو أنها مباراة احترافية. الإيطاليون شديدو التنافسية.

في التديّن الإسباني، نجد أهمية شديدة لمفهومي الذنب والكفارة؛ في حين يولي التديّن الإيطالي أهمية للغفران.. لا ينظرون إلى ما قبل، أي الذنب؛ ولا لما بعد، أي التكفير عنه. في هذا المعنى هو بلد متسامح مع المذنبين، وأقول هذا الأمر دون أن أنوي الظهور وكأنني أنتقدهم. الإيطالي يتسامح بورع شديد مع مآسي الآخرين الناتجة عن ذنوبهم، في حين يراها الإسباني نتائجاً منطقياً للخطيئة. الإيطالي يتوقّع منك الغفران دوماً، لكنه لن يطلبه منك أبداً. هو غير مذنب بشيء، بل الذنب هو ذنب العالم.. العالم غير عادل!

في إيطاليا هناك براكين وزلازل، وكأنه بلد بعيد جداً.

المؤتمرات الصحفية في إيطالي مختلفة جداً عن المؤتمرات الصحفية في إسبانيا. يندر أن يمثل فيها أقل من أربع أو خمس أشخاص، ولا تحصل جولة أسئلة أو طلب توضيحات من الصحفيين بعد الانتهاء من قراءة البيان أو الإعلان، بل يتناوب الصحفيون الحاضرون على المداخلة وإبداء رأيهم بما سمعوه.

في روما تلتقي بكثيرٍ من الناس يعيشون بسويّة عالية جداً، دون أن تنجح في فهم مما يعتاشون بالضبط!

بما يخص الموضة، الإسبان متشابهون تماماً فيما بينهم. يلبسون جميعاً نفس الموديلات، وهم شديدو الكسل في هذا المجال. تراهم يمشون في الشارع وهندامهم متماثل جداً فيما بينهم، يلحقون موضة عامة ما حسب أهوائهم، ويعتقدون أن هذا الأمر مُحدد لشخصياتهم بشكل أو بآخر.

ثمة أمر مذهل: هناك أكثر من مليون شخص يعيشون في المنطقة المحظورة حول بركان بسروبيو، دون وجود أي خطة لإجلائهم في حال حصول إنفجار بركاني. لو حصل هذا فستكون كارثةً إنسانية كبرى.

حين أروي أشياءً تحصل لي هنا لا يصدّقني الناس. يعتبرون أنني أبالغ.

لم يكن عدد سكان روما يتجاوز الثلاثين ألفاً في أعتم حِقب القرون الوسطى. لكن روما كانت كما نراها اليوم، كبيرة، عظيمة، كديكور مسرحية ضخمة مُهمل، وسكان يهيمون على وجههم بين آثاره.

روما غير حقيقية، كخشبة مسرح ضخم. الباروك، وهو اختراع روماني، هو مسرحٌ خالص. أهل روما يتجولون فيه ككومبارس سينكيين ومنزعجين من انخفاض ما يُدفع لهم لقاء أدوارِهم.

يعتقد الإسبان أنهم يعيشون في أكثر بلد فوضوي، و”كشتبنجي“، وفاسد وغير لائق في العالم. حين تنظر إلى إسبانيا من هنا تشعر وكأنها سويسرا.

حين يعرف الإيطاليون هنا أنك إسباني فمن الشائع جداً أن تُسأل: إسباني؟ من أين؟ من برشلونة؟ برشلونة أول مدينة يفكرون بها وليس مدريد.. هذا الأمر مثير للاهتمام.

إسبانيا وإيطاليا تتبادلان تجاهل ثقافة النبيذ لدى الآخر. كلاهما يحترم النبيذ الفرنسي!

في إيطاليا، يُعتبر العيش وسط الجَمال محاولةً للإجابة على سؤال الحياة الغامض. في إسبانيا، نعتبر الجمال شأناً خاصاً بالمخنّثين. وهذه إحدى مشاكلنا التكوينية.

ما هو جميل هنا يُعتبر جيّداً، أي يؤخذ المفهوم اليوناني الكلاسيكي. ما ليس جميلاً يُخفى أو يُموّه. الأهمية تُعطى للمظهر، لأن المظهر في النهاية هو الحقيقة. والحقيقة، بدورها، خيالية وتبدو أحياناً وكأنها بنت حكايا، كالبندقية مثلاً. لكن ما هو مخفي يمتلك أيضاً طاقة حكائية، تتجاوز أي مقدرة على ابتداع الخيال.. انطلاقاً من هذا الواقع، يتصرّف كل واحدٍ كما يشاء.

كل ما أقوله هنا أسمعه عادةً من الطليان حين يتحدّثون عن أنفسهم، لكنهم يغضبون جداً إن سمعوا نفس الكلام صادراً عن أجنبي، ومعهم كل الحق.

يشكّل الفاتيكان مصدر تشوّش في منظور الإيطاليين. فهو في قلب إيطاليا، وهو مركز المسيحية الكاثوليكية، لذلك يعتبر الإيطاليون أنه مركز العالم. هناك بشكل يومي أخبار عن الفاتيكان في مانشيتات الصحف في إيطاليا، لكنها أخبار بالكاد تخرج خارج إيطاليا. في الحقيقة، تبدو إيطاليا وكأنها محميّة معزولة، خارج الزمان الراهن، توفّر للفاتيكان بيئة مثالية لتحتضنه وتوفّر له كل ما يلزم من مظاهر الغلو، مثل مشاف يلجأ الأطباء فيها للاعتراض الأخلاقي للامتناع عن أشياء من قبيل تخدير المرأة قبل الولادة، لأنهم يؤمنون أنه من طبيعة الأشياء أن تتألم المرأة وهي تضع مولوداً؛ أو انعدام أي اعتراف قانوني بالعلاقات خارج الزواج، أو العلاقات المثليّة. هناك مشاهير يعرف كل الناس أنهم مثليون، لكنهم يتصرّفون وكأن أحداً لم يلحظ ذلك.

في إيطاليا، لا يخرج أحدٌ من الخِزانة.

لا يُهمل الرجل الإيطالي مظهره مع تقدّمه بالعمر، بل يعتني بنفسه: في حال كان شعره طويلاً فهو يُسرّحه بطريقة ملفتة للأنظار مفتخراً به، وفي حال كان أصلع فيحلق رأسه ويسعى لأن يكون لون جلده برونزياً. يرتدي الرجال الإيطاليون بناطيل ملونة، ويرفعون ياقة البولو، وبعضهم يلبس قبعات أميركية. الإيطاليون يسعون دوماً للاحتفاظ بمظهرٍ جذاب.

إيطاليا مُخدّرة بالسياسة.

عدا سيلفيو برلسكوني، لا يروي الإيطاليون النكت في العادة. الإسبان يقبلون على النكتة في كل الأوقات.

لو كان مركز الكنيسة الكاثوليكية خارج إيطاليا، في إسبانيا أو في أي بلد آخر، لما عاشت الكنيسة حتى يومنا هذا. لم يكن ممكناً لسان فرانسيسكو أن يولد في تورديسيجاس (إسبانيا)؛ ولا كان ممكناً لسان إغناطيوس أن يولد في نابولي.

حين فاز فريق نابولي بالدوري، دهن المشجعون الكلاب باللون الأزرق، وكتبوا على حيطان المقبرة: لو تعلمون ماذا فوّتتم على أنفسكم!

حين ينوي الإيطالي أن يقوم بشيء فسينجزه بدرجات دقّة تفوق القدرة البشرية الاعتيادية، أكان في السمو أو في الجهنّمية: لو كان هذا الشيء جميلاً فسيكون فائق الجمال، ولو كان بشعاً فسيكون قمةً في البشاعة. يمطّ الإيطاليون الحياة حتى أقصى حدودها. هم شعبٌ حيوي بامتياز.

لا شيء مُطلق في إيطاليا، بل كل الأمور نسبة. لذلك، إحدى الإجابات الشائعة هي «نعم، بكل تأكيد» أو«لا. بكل تأكيد». تُستخدم كتلة التوكيد الفاقد للمعنى هذه حتى مع أكثر الأسئلة تفاهةً.

إيطاليا أقل البلدان حداثةً، لكن هذا لا يتعارض مع أنه أكثر البلدان أصالة. بل قد يكون أحدهما سبباً للآخر.

مع ذلك، ثمة تلاقٍ مثير للاهتمام بين قِدم متحجّر وسرعة في تبنّي أفخر صرعات الموضة، أو بالأحرى خلق هذه الصرعات. تعيش إيطاليا تغيّرات كثيرة، لكنها تغيّرات سطحية دوماً.

كل شيء قابل للتفاوض في إيطاليا. من الشائع أن يسعى الناس للحصول على تخفيضات حتى في أكثر المحلات فخامة وسط روما، ومن الشائع أن يحصلوا على هذا التخفيض المرجو.

حين وصلت إلى إيطاليا، أوائل العقد الماضي، لم يكن هناك سوبرماركتات في كل وسط روما، بل فقط متاجر عائلية تقليدية. لم أجد زارا ولا أي ماركة تجارية عالمية أيضاً. فشلت كل هذه الماركات في اختراق هذه المدينة.

حين أواجه مشكلة أحاول أن أفكر: ماذا كان الإيطالي سيفعل لو أنه مكانك؟ لكنني أفشل في الإجابة لأنني أدنى من مستواهم بكثير.

لا يتشابه الطليان والإسبان في شيء، أبداً، أبداً، أبداً..

إيطاليا قادرة على تأهيلك للحياة، أي حياة. حتى لو كانت حياةً في كواكب أخرى.

كقادمٍ من إسبانيا، حيث تبالغ أي بلدية في العناية بأي أربع صخرات قديمة موجودة عندها، وتدعو لزيارتها وتهتم باستثمارها، أرتاح لأن الإيطاليين لا يفعلون هذا، ولا يقيمون له الكثير من الأهمية. هم غير مهووسين بالإشارة لموقع الكوليزيوم، ولا بتعبيد الطريق إلى بومبيا بالدعايات. لا أريد بهذا أن أقول أنهم لا يهتمون بالسياحة. ليس هذا قصدي.. ليس هذا قصدي.

في إحدى زوايا تلة البالاتين في روما توجد بقايا الأكواخ التي شكّلت النواة الأولى لهذه المدينة في القرن الثامن قبل الميلاد.. وما زالت هناك.

لا يمكن إصلاح هذا البلد.. لا صلاح لهذا البلد.

كل شيء هنا هزلي.

هذا بلد بديع الجمال

إنهم عباقرة.. عباقرة!

بلد عظيم

..
 
 
(اعتباراً من هنا يستحيل فكّ طلاسم المُلاحظات، إذ تصبح هلوسية، بلا أي معني. ثم تليها عدّة صفحات فارغة، بُقع صلصة بندورة، وعبارة واحدة في الصفحة الأخيرة: «أنا الآن على وشك مغادرة إيطاليا.. وأنا حزين جداً لفراقها»).

الإعلانات