ليس سهلاً أن تكون صادق عبدالرحمن

صادق عبدالرحمن هو اسم مستعار لشخص. هذا واقع، وواقع معقّد بعض الشيء. لكنه ليس فقط اسماً مستعاراً. لصادق عبدالرحمن شخصية مستقلة، مرتبطة بالإنسان الذي يحمل الاسم، لكنها سجالية معه في كثير من المحطات، سجال قد يكون عنيف الطابع في بعض المحطات. ليست قليلة المرات التي اضطر فيها الأصدقاء المشتركون لإدارة جلسات صلح. 

تسهّل مهمة هؤلاء الأصدقاء المشتركون -وأنا منهم، بفخر- أن كلا الشخصيتين غير حقودتين على الإطلاق. كل خلافات وجهات النظر تُحل بسهولة بالغة (وبليغة). 

….

لا يمكن فهم صادق عبدالرحمن دون فهم عقيدة ”التوجّس الثوري“ التي يتبنّاها. للوهلة الأولى، قد يبدو أمام نظرة قاصرة أن صادق عبدالرحمن قليل الثقة وشَكوك وسوداوي. لا، ليس الأمر كذلك. التوجّس الثوري هو تثقيل الاحتمالات الأصعب، على الصعيد العام والخاص، والوقوف عندها طويلاً، وتفريخ الأسئلة المنبثقة عنها، والأسئلة المنبثقة عن الأسئلة، والأسئلة المنبثقة عن الأسئلة المنبثقة عن الأسئلة المنبثقة عن الاحتمالات الأصعب. ليس هذا فقط من أجل تجهيز النفس لاحتمالات حصول الأسوأ، ولكن أيضاً لأن الاحتمالات الأسوأ تشكّل تحدّياً بنّاءً من أجل طرح الأسئلة على الذات والغير. 

علينا هنا أن نشير أن طرح الأسئلة الأصعب بشكل لا متناهي لا يضمن الحصول على أجوبة، ولا يضمن أن الأجوبة صحيحة. احتمالات ”الفوتة بالحيط“ عالية جداً دوماً، بل أنها مُرجّحة. لكن يجب أن يُعترف لصادق عبدالرحمن أن الحائط الذي تراه من بعيد وأنت منطلق باتجاهه يصبح أقل إيلاماً. 

…. 

في مقاربة صادق عبدالرحمن التوجسيّة الثورية، ليس واضحاً أيهما يفضّل: أن تكون توقعاته السوداوية صحيحة، أم أن تكون خاطئة؟ رأيته منهاراً لأن احتمالاته أخطأت، ورأيته منهاراً أيضاً لأن توقعاته أصابت.

أزعم، بعد سنوات من الصداقة والعمل اليومي، أنني فهمت جوانباً كثيرة من شخصية صادق عبدالرحمن، لكنني غير متأكد من هذه النقطة على الإطلاق. 

….

اتصالاً بما سبق، تتجسّد إشكالية التوجّس الثوري وعلاقتها بالأسئلة عند صادق عبد الرحمن حتى بطريقة إجراءه للمحادثات الكِتابية: كمحرر محترف، يستخدم صادق عبد الرحمن علامات الترقيم بشكل دقيق وصحيح حتى أثناء المحادثة على وتس أب أو مسنجر أو سلاك (البرنامج الذي نستخدمه في الجمهورية لإدارة العمل اليومي)، إلا علامة واحدة، وهي إشارة الاستفهام. يطرح صادق عبدالرحمن السؤال مجرّداً من إشارة الاستفهام، ثم يُدرج إشارة الاستفهام في سطر منفصل. يفعل هذا الشيء دوماً (وأؤكد على ”دوماً“) فقط مع إشارة الاستفهام. لا يحصل هذا مع النقطة، ولا مع إشارة التعجب. 

لذلك، عليك أن تنتظر دوماً ثانية أو اثنتين بعد الجملة أثناء المحادثة مع صادق عبدالرحمن كي تتأكد من عدم وجود إشارة استفهام بعدها، وكي تعلم إن كان صادق عبدالرحمن يُخبرك أم يسألك. 

سبب ذلك، أعتقد، أن السؤال يُسائل هويته كسؤال عند صادق عبدالرحمن. لا يعرف هو نفسه حين يبدأ الكِتابة إن كان ما يُبنى هو سؤال أم تأكيد. لا شيء مؤكد عند صادق، الاحتمالات كثيرة، وهو لا يمتلك إشارة الاستفهام كي يقرر عنها! 

….

إلى حدّ ما، يمكن إيجاد تأصيل فلسفي ما لتوجّس صادق عبد الرحمن الثوري في نظرية ”الحداثة السائلة“ لزيغموند باومان. لديّ هنا ذكرى مؤلمة، وهي أن كتاب ”الأزمنة السائلة“ لباومان سُرق مني في حقيبة كانت تحتوي كمبيوتري ومسجّل الصوت ونظارات ومجموعة دفاتر وأقلام من أحد مقاهي اسطنبول. كانت الحقيبة على الأرض بين كرسييّ وكرسي صادق عبد الرحمن. وقد رأينا في تسجيلات كاميرات المراقبة أن مهمة السارق كانت سهلة بشكل مهين إذ أنه سحب الحقيبة من تحتنا، حرفياً.

هنا، يكاد سؤال ”لماذا لم يتوجّس صادق عبد الرحمن يومها“ يعادل صيحة غسان كنفاني الشهيرة ”لماذا لم يقرعوا جدران الخزّان“؟

….

ينفع هنا استدراك مهم: لا يعني التوجّس الثوري عند صادق عبدالرحمن أنه شَكوك بالبشر، بل على العكس تماماً. في جدار بجوار الطاولة التي يعمل عليها صادق عبدالرحمن هناك ورقة من فئة المئتي ليرة تركيّة مُعلّقة، وهي ورقة مزوّرة. حصل منذ أشهر أن كان صادق عبدالرحمن في الباص في اسطنبول، وظهر رجل ينادي على أحد أن يصرف له الورقة كي يتمكّن من دفع التذكرة، وصادق، النبيل الكريم، تبرّع.

خبطة مؤلمة ولا شك، ومبلغ ليس بالقليل. لكن من المؤكد أن صادق عبدالرحمن يفضّل أن يكون ضحية عملية نصب قبل أن يتردد في مدّ يد العون لأحدهم. 

ثمة بُعد قرباني، وافتدائي، في تكوين صادق عبدالرحمن. ليس من المحتوم أن تكون الشخصية القِربانية ظريفة، بل غالباً ما تكون شديدة الغلاظة، لا سيما إن كانت قربانيتها عبارة عن مواساة للذات من أجل ذاتها، أو نوع من أنواع تحميل الكون جميل صُنعها. لا، صادق قرباني صامت، يُصاب القريب منه بالهلع لكمية الصُلبان التي يحملها مساعدةً لـ (أو نيابةً عن) أشخاص وقضايا وأماكن.

درب آلام صادق عبدالرحمن يمرّ عبر سيكارته، فقط لا غير، بينه وبينها. 

….

لذلك، صادق عبد الرحمن لا يُدخّن، بل أن السيكارة تـ صادق عبد الرحمن. لهذا السبب، يتلقّى صادق عبدالرحمن أنباء إقلاع أحدهم عن التدخين وكأنها إهانة شخصية له. هذا لا يعني أنه يغضب، أو يرد الإهانة بمثلها، بل فقط يتألم في دواخله. دواخل صادق عبدالرحمن مؤلمة جداً. لمزيد من الاطّلاع، هذا النص كمثال. 

….

معرفة صادق عبدالرحمن بجغرافيا سوريا وديموغرافيتها مذهلة. تكتشف فجأة أنه يعرف أسماء قرى في الريف الشرقي للرقة، أو القصص وراء أغاني فلكلور السويداء، أو تاريخ سراقب، أو الميادين، أو توزيع أحياء محيط حلب. لا أدري كيف لم تحاول وكالة استخبارات دولية ما تجنيده كعميل فوق العادة. 

أم أنه عميل مخابرات دون أن أعلم؟ أنا متوجّسٌ الآن. 

….

مقدرة صادق عبدالرحمن على السخرية من نفسه مذهلة فعلاً، وهذا متفرّع عن عقيدة التوجّس الثوري. أحلامه كثيرة، يريد أن يتقاعد وسط بقايا شيوعيي شرق ألمانيا ويعيش معهم حوارات ماضوية للمقارنة بين أنماط النضال الرِفاقي في براندنبرغ وريف طرطوس؛ وفي نفس الوقت يريد أن يكون سائق تاكسي في المستقبل.

صادق عبدالرحمن أنقذ حامل اسمه من أن يكون شاعراً. الشعراء يتبعهم الغاوون، وصادق عبدالرحمن يرفض أن يكون بينهم.

في لحظةِ ما، يختلط الضحك المدوي بالتيقّن أن كل شيء على وشك الإنهيار، لكن وجود صادق عبد الرحمن مُطمئن، يُشعر أصدقاءه أن كل شيء سيكون على ما يُرام، وأنه هناك للدعم والمساعدة والتفهّم (وخصوصاً التفهّم). كما قلت، وجوده مطمئن ما عدا في حالة واحدة: عند اختيار عنوان لمقال، خصوصاً إن كان المقال من كتابته. هنا، يتحوّل التوجّس الثوري إلى هلوسة محمومة. 

….

لدى صادق عبدالرحمن جاكيت أنيق، عسليّ اللون، هو الجيل الثاني من ”جاكيت الأستاذ“. لدى صادق دوماً ”جاكيت أستاذ“ يلبسه حين تكون الأمور مستقرة وجيدة، أو حين يكون الوضع عصيباً وكل شيء على وشك الإنهيار.. لست متأكداً من علاقة الجاكيت بالحالة النفسية.. كما قلت في المقدمة، ليس سهلاً أن تكون صادق عبدالرحمن، ولا أن تكون جاكيته. 

لكننا محظوظون في أن هناك من يأخذ على عاتقه، ولو بكثير من التوجّس، أن يكون صادق عبدالرحمن عنّا، ولنا. 

الإعلانات