أرشيف التصنيف: غيم ومطر

شوي

هذه التدوينة إستذكار لـ“شوي“، جار وصديق وزميل مغامرات رياضية في الرقة. سبق وأن كتبت عنه ”بوست“ على الفيسبوك أعلم أنه سيظهر في قسم ”ذكريات الفيسبوك“ بعد أيام قليلة، و“شوي“ يستحق أكثر بكثير من أن يكون مجرد ذكرى فيسبوكية.

“شوي” هو عبد الرزاق. ابن حارتي في الرقة، ذلك المستطيل الواقع بين الجامع الكبير وحارة الحسون جنوباً؛ وشارع 23 شباط شمالاً؛ وشارع المنصور غرباً؛ وشارع سيف الدولة شرقاً. بيت عائلة ”شوي“ في إحدى الحارات المتفرعة من شارع سيف الدولة. تعود أصول عائلة “شوي” إلى ريف حلب الشرقي، كنسبة كبيرة من أهل الرقة.

“شوي” أكبر مني ببضع سنوات. لُقّب بـ“شوي“ إثر نجاحه في الشهادة الإعدادية بعد رسوب مجلجل في المحاولة الأولى. قُرّر حينها أن على ”شوي“ أن يتعلّم مهنة ما. لذلك، عمل ”شوي“ لأيام في الحلاقة؛ لأسابيع في النجارة؛ ثم أسبوعين في تمديدات الكهرباء؛ ثم شهرين في الدهان، ثم حطّم رقمه القياسي الخاص حين عمل لساعتين فقط في كهرباء السيارات. كانت المحصلة أن ”شوي“ يعرف ”شوي“ عن مروحة هائلة الحجم من المهن، أو يعتقد أنه يعرف. 

في الحقيقة، كان ”شوي“ مقتنعاً أنه يعرف الكثير، أكثر بكثير من معرفة كل الناس. مشكلة ”شوي“ أن العالم عاجز عن استيعاب هذا الأمر.

تعرّفت على ”شوي“ وأنا في المرحلة الإعدادية. لم يكن موقفه محسوماً من اللقب، فقد يتجاهله أحياناً، أو يغضب منه أحياناً أخرى. التسمية الرسمية كانت ”عبّود“ وأحياناً ”رزوق“. وبُنيت صداقتي معه على أساسين: كرة اليد وكرة القدم. كنّا، أسوةً بأغلب أبناء الحارة، مشجعين لنادي الفرات، وخاصة في كرة اليد، مفخرتنا الرياضية المحلية (يحتاج نادي الفرات، بتاريخه ومعانيه، لعودة مطوّلة)، وشاركنا في تأسيس رابطة مشجعي نادي الفرات قبل أن تنتهي التجربة لأن جمهور نادي الشباب (منافسنا الرقاوي) تمكّن من لافتاتنا وأحرقها بعد خسارة فادحة أوقعناها بهم.

كان ”شوي“ قصير القامة، نحيلاً بشكل ملفت للنظر، يمزج غضبه وسوداويته ونكده الدائم مع حسّ فكاهي وسرعة بديهة تهكّمية من الطراز الرفيع، ما منحه كاريزما تتيح له تصدّر أي جَمعة أصدقاء بمونولوجاته الردحية. يرتدي جاكيت جلد أسود، أكبر بقياسين على الأقل من مقاسه المفترض طوال تسعة أشهر كل عام، ويدخّن بشراهة وهو مقرفص على مدرجات الصالة الرياضية ويوزّع الشتائم. لا أتذكر ”شوي“ إلا وهو يوزّع الشتائم كرشاش أوتوماتيكي. 

لاحقاً، قررنا تأسيس فريق كرة قدم يُشارك في دوري الأحياء الشعبية في الرقة. 

كان لدوري الأحياء الشعبية، (وهو في الحقيقة توافقات على مباريات أيام العطلة أكثر من كونه دوري منظّم ومُجدول، فيه فرق مديدة في العمر وفرق أخرى تظهر وتختفي حسب المزاج والهمّة)، ثلاثة ملاعب أساسية: ملعب ثانوية الرشيد (الذي تحوّل بشكل مؤلم إلى مقبرة خلال الاحتلال الداعشي، وخاصة أثناء الحرب ضد داعش التي تناست أن الرقة بلد له أهل)؛ وملعب آخر جنوب ساحة الإطفائية، التي اشتُهرت عند إسقاط تمثال حافظ الأسد فيها؛ وملعب السور، الذي لم يكن ملعباً بالمعنى الفعلي بل استخداماً غير مفهوم لمستطيل ترابي غير منتظم يقع خارج سور الرقة الأثري بالقرب من مدرسة حطين)؛ والملعب الأسود (الملعب البلدي، أو النقطة 11 حسب تسمية داعش اللعينة). كان هذا الأخير ما زال في المرحلة النهائية من إنشائه بعد أكثر من عشرين عاماً على العظم، وكان ممنوعاً علينا رسمياً، لكننا كنا نستخدمه بفضل الواسطة و/أو الرشوة، أو بمغافلة الحرّاس، أو تواطؤهم معنا في أيام المزاج الحسن. 

عدا كونه لاعباً،كان ”شوي“ العقل المدبر للفريق. لا يكفيه أن نقول عنه أنه كان مدرباً لنا. ”شوي“ أكبر من أن يكون مجرد مدرب، بل كان ”آليكس فيرغسن“ الخاص بفريقنا، الذي وُلد ومات، بعد موسم واحد، دون أن نتفق على اسم له. في الحقيقة لم يكن هناك خطة ولا تقسيم مهام، بل مجرد لعب للتسلية، لكن كمية الغضب الصادر عن “شوي” طوال الوقت كانت تجعلنا نعتقد أننا ننافس على دوري أبطال أوروبا، ما يزيد من تهكّمنا منه، وبالتالي يزيد غضبه.

بعد محاولتين فاشلتين لتقديم البكالوريا الأدبي كطالب حُر، ومحاولة النجاح بالغش -لأن وقت ”شوي“ أثمن من أن ينفقه في الدراسة، أدّى ”شوي“ الخدمة العسكرية- وكعدد كبير من أبناء الرقة، قضى خدمته الإلزامية في لبنان، من حيث عاد مبهوراً ومسحوراً. وبعد أشهر قليلة من تسريحه، قضاها متنهداً ومدخناً ومكتئباً عند حلاّق الحارة، قرر خوض تجربة الهجرة إلى لبنان. 

بقي ”شوي“ في لبنان أقل من عام، عمل خلالها في بقالية وفي محطة محروقات، ثم عاد إلى الرقة. لكنه بقي مسحوراً بلبنان وطبيعته وحياته وفتياته. أعاد حينها تقديم البكالوريا بالغش، ونجح! 

كبرت مشاريع ”شوي“ بعد البكالوريا، وبدأ حتى بدراسة فرع جامعي ما، لكن فرصة عمل في السعودية سرقته من أفكاره تحت ضغط أهله الشديد، إذ عرض عليه أحد أقربائه أو من معارف عائلته، لا أذكر، تدبير عمل له في التمديدات الكهربائية في مشاريع تعمير في جازان. وسافر ”شوي“ إلى الجنوب السعودي، حيث مكث بالكاد خمس شهور قبل أن يعود غارقاً في كآبته. لم يتحمّل ”شوي“ الحياة الرتيبة في جازان، ولم يتأقلم مع ظروف عمله الصعبة في الإنشاءات، تحت الشمس اللاهبة.

تجربة جازان ضاعفت من نوستالجيا لبنان لدى ”شوي“. ولأن الشعر ينبع من عمق معاناة الإنسان، قرر ”شوي“ التعبير عن ذلك شعرياً باستنباط بيت شعري فكاهي، يُقارن بين جازان ولبنان ويستفيد من سهولة القافية، ولا مجال لذكره هنا. ولأنه ”شوي“ فقد بدأت تجربته الشعرية وانتهت في بيت شعر واحد. 

انقطعت أخبار ”شوي“ عني تماماً منذ انتقالي إلى إسبانيا عام 2002، إلى أن صدفت أحد أقربائه من جيراننا في الرقة في عنتاب التركية قبل عامين، وأخبرني أن ”شوي“ كان قد توفي قبل ذلك بعام ونص بعد إصابته بالسرطان. كان قد قضى الشهور الأخيرة من حياته في الرقة، متهكّماً برغبته في أن تأتي غارة جوية و“تقشّه“ لينزل إسمه شهيداً على ”الأنترنت“. 

ربما كان عبود “شوي” في همّته المهنية وقدرته على الالتزام بعمل والبقاء فيه، لكنه كان “كثيراً” في مرحه الغاضب وفكاهته النكدية، وفي البحث عن متعة حياتية حتى في مستطيل ترابي غير مفهوم كالملعب الذي كنا نغبّر ثيابنا به كل جمعة أو جمعتين بجانب السور الأثري. ذكرى “شوي” هي أيضاً ذكرى كثير من الحياة المدفونة الآن تحت أنقاض الرقّة، ضحك ولعب وجدّ وحب أجيال رقاوية عديدة، نرجو أن تكتمل بأجيال أخرى قادمة، تلعب كرة القدم، وتتسلى، وتتشاجر في مدرجات الملعب البلدي أو الصالة الرياضية، وتضحك مع “شوي” آخر سيظهر بلا شك. لا رقّة بدون “شوي” لكلّ جيل.

الإعلانات

ليس سهلاً أن تكون صادق عبدالرحمن

صادق عبدالرحمن هو اسم مستعار لشخص. هذا واقع، وواقع معقّد بعض الشيء. لكنه ليس فقط اسماً مستعاراً. لصادق عبدالرحمن شخصية مستقلة، مرتبطة بالإنسان الذي يحمل الاسم، لكنها سجالية معه في كثير من المحطات، سجال قد يكون عنيف الطابع في بعض المحطات. ليست قليلة المرات التي اضطر فيها الأصدقاء المشتركون لإدارة جلسات صلح. 

تسهّل مهمة هؤلاء الأصدقاء المشتركون -وأنا منهم، بفخر- أن كلا الشخصيتين غير حقودتين على الإطلاق. كل خلافات وجهات النظر تُحل بسهولة بالغة (وبليغة). 

….

لا يمكن فهم صادق عبدالرحمن دون فهم عقيدة ”التوجّس الثوري“ التي يتبنّاها. للوهلة الأولى، قد يبدو أمام نظرة قاصرة أن صادق عبدالرحمن قليل الثقة وشَكوك وسوداوي. لا، ليس الأمر كذلك. التوجّس الثوري هو تثقيل الاحتمالات الأصعب، على الصعيد العام والخاص، والوقوف عندها طويلاً، وتفريخ الأسئلة المنبثقة عنها، والأسئلة المنبثقة عن الأسئلة، والأسئلة المنبثقة عن الأسئلة المنبثقة عن الأسئلة المنبثقة عن الاحتمالات الأصعب. ليس هذا فقط من أجل تجهيز النفس لاحتمالات حصول الأسوأ، ولكن أيضاً لأن الاحتمالات الأسوأ تشكّل تحدّياً بنّاءً من أجل طرح الأسئلة على الذات والغير. 

علينا هنا أن نشير أن طرح الأسئلة الأصعب بشكل لا متناهي لا يضمن الحصول على أجوبة، ولا يضمن أن الأجوبة صحيحة. احتمالات ”الفوتة بالحيط“ عالية جداً دوماً، بل أنها مُرجّحة. لكن يجب أن يُعترف لصادق عبدالرحمن أن الحائط الذي تراه من بعيد وأنت منطلق باتجاهه يصبح أقل إيلاماً. 

…. 

في مقاربة صادق عبدالرحمن التوجسيّة الثورية، ليس واضحاً أيهما يفضّل: أن تكون توقعاته السوداوية صحيحة، أم أن تكون خاطئة؟ رأيته منهاراً لأن احتمالاته أخطأت، ورأيته منهاراً أيضاً لأن توقعاته أصابت.

أزعم، بعد سنوات من الصداقة والعمل اليومي، أنني فهمت جوانباً كثيرة من شخصية صادق عبدالرحمن، لكنني غير متأكد من هذه النقطة على الإطلاق. 

….

اتصالاً بما سبق، تتجسّد إشكالية التوجّس الثوري وعلاقتها بالأسئلة عند صادق عبد الرحمن حتى بطريقة إجراءه للمحادثات الكِتابية: كمحرر محترف، يستخدم صادق عبد الرحمن علامات الترقيم بشكل دقيق وصحيح حتى أثناء المحادثة على وتس أب أو مسنجر أو سلاك (البرنامج الذي نستخدمه في الجمهورية لإدارة العمل اليومي)، إلا علامة واحدة، وهي إشارة الاستفهام. يطرح صادق عبدالرحمن السؤال مجرّداً من إشارة الاستفهام، ثم يُدرج إشارة الاستفهام في سطر منفصل. يفعل هذا الشيء دوماً (وأؤكد على ”دوماً“) فقط مع إشارة الاستفهام. لا يحصل هذا مع النقطة، ولا مع إشارة التعجب. 

لذلك، عليك أن تنتظر دوماً ثانية أو اثنتين بعد الجملة أثناء المحادثة مع صادق عبدالرحمن كي تتأكد من عدم وجود إشارة استفهام بعدها، وكي تعلم إن كان صادق عبدالرحمن يُخبرك أم يسألك. 

سبب ذلك، أعتقد، أن السؤال يُسائل هويته كسؤال عند صادق عبدالرحمن. لا يعرف هو نفسه حين يبدأ الكِتابة إن كان ما يُبنى هو سؤال أم تأكيد. لا شيء مؤكد عند صادق، الاحتمالات كثيرة، وهو لا يمتلك إشارة الاستفهام كي يقرر عنها! 

….

إلى حدّ ما، يمكن إيجاد تأصيل فلسفي ما لتوجّس صادق عبد الرحمن الثوري في نظرية ”الحداثة السائلة“ لزيغموند باومان. لديّ هنا ذكرى مؤلمة، وهي أن كتاب ”الأزمنة السائلة“ لباومان سُرق مني في حقيبة كانت تحتوي كمبيوتري ومسجّل الصوت ونظارات ومجموعة دفاتر وأقلام من أحد مقاهي اسطنبول. كانت الحقيبة على الأرض بين كرسييّ وكرسي صادق عبد الرحمن. وقد رأينا في تسجيلات كاميرات المراقبة أن مهمة السارق كانت سهلة بشكل مهين إذ أنه سحب الحقيبة من تحتنا، حرفياً.

هنا، يكاد سؤال ”لماذا لم يتوجّس صادق عبد الرحمن يومها“ يعادل صيحة غسان كنفاني الشهيرة ”لماذا لم يقرعوا جدران الخزّان“؟

….

ينفع هنا استدراك مهم: لا يعني التوجّس الثوري عند صادق عبدالرحمن أنه شَكوك بالبشر، بل على العكس تماماً. في جدار بجوار الطاولة التي يعمل عليها صادق عبدالرحمن هناك ورقة من فئة المئتي ليرة تركيّة مُعلّقة، وهي ورقة مزوّرة. حصل منذ أشهر أن كان صادق عبدالرحمن في الباص في اسطنبول، وظهر رجل ينادي على أحد أن يصرف له الورقة كي يتمكّن من دفع التذكرة، وصادق، النبيل الكريم، تبرّع.

خبطة مؤلمة ولا شك، ومبلغ ليس بالقليل. لكن من المؤكد أن صادق عبدالرحمن يفضّل أن يكون ضحية عملية نصب قبل أن يتردد في مدّ يد العون لأحدهم. 

ثمة بُعد قرباني، وافتدائي، في تكوين صادق عبدالرحمن. ليس من المحتوم أن تكون الشخصية القِربانية ظريفة، بل غالباً ما تكون شديدة الغلاظة، لا سيما إن كانت قربانيتها عبارة عن مواساة للذات من أجل ذاتها، أو نوع من أنواع تحميل الكون جميل صُنعها. لا، صادق قرباني صامت، يُصاب القريب منه بالهلع لكمية الصُلبان التي يحملها مساعدةً لـ (أو نيابةً عن) أشخاص وقضايا وأماكن.

درب آلام صادق عبدالرحمن يمرّ عبر سيكارته، فقط لا غير، بينه وبينها. 

….

لذلك، صادق عبد الرحمن لا يُدخّن، بل أن السيكارة تـ صادق عبد الرحمن. لهذا السبب، يتلقّى صادق عبدالرحمن أنباء إقلاع أحدهم عن التدخين وكأنها إهانة شخصية له. هذا لا يعني أنه يغضب، أو يرد الإهانة بمثلها، بل فقط يتألم في دواخله. دواخل صادق عبدالرحمن مؤلمة جداً. لمزيد من الاطّلاع، هذا النص كمثال. 

….

معرفة صادق عبدالرحمن بجغرافيا سوريا وديموغرافيتها مذهلة. تكتشف فجأة أنه يعرف أسماء قرى في الريف الشرقي للرقة، أو القصص وراء أغاني فلكلور السويداء، أو تاريخ سراقب، أو الميادين، أو توزيع أحياء محيط حلب. لا أدري كيف لم تحاول وكالة استخبارات دولية ما تجنيده كعميل فوق العادة. 

أم أنه عميل مخابرات دون أن أعلم؟ أنا متوجّسٌ الآن. 

….

مقدرة صادق عبدالرحمن على السخرية من نفسه مذهلة فعلاً، وهذا متفرّع عن عقيدة التوجّس الثوري. أحلامه كثيرة، يريد أن يتقاعد وسط بقايا شيوعيي شرق ألمانيا ويعيش معهم حوارات ماضوية للمقارنة بين أنماط النضال الرِفاقي في براندنبرغ وريف طرطوس؛ وفي نفس الوقت يريد أن يكون سائق تاكسي في المستقبل.

صادق عبدالرحمن أنقذ حامل اسمه من أن يكون شاعراً. الشعراء يتبعهم الغاوون، وصادق عبدالرحمن يرفض أن يكون بينهم.

في لحظةِ ما، يختلط الضحك المدوي بالتيقّن أن كل شيء على وشك الإنهيار، لكن وجود صادق عبد الرحمن مُطمئن، يُشعر أصدقاءه أن كل شيء سيكون على ما يُرام، وأنه هناك للدعم والمساعدة والتفهّم (وخصوصاً التفهّم). كما قلت، وجوده مطمئن ما عدا في حالة واحدة: عند اختيار عنوان لمقال، خصوصاً إن كان المقال من كتابته. هنا، يتحوّل التوجّس الثوري إلى هلوسة محمومة. 

….

لدى صادق عبدالرحمن جاكيت أنيق، عسليّ اللون، هو الجيل الثاني من ”جاكيت الأستاذ“. لدى صادق دوماً ”جاكيت أستاذ“ يلبسه حين تكون الأمور مستقرة وجيدة، أو حين يكون الوضع عصيباً وكل شيء على وشك الإنهيار.. لست متأكداً من علاقة الجاكيت بالحالة النفسية.. كما قلت في المقدمة، ليس سهلاً أن تكون صادق عبدالرحمن، ولا أن تكون جاكيته. 

لكننا محظوظون في أن هناك من يأخذ على عاتقه، ولو بكثير من التوجّس، أن يكون صادق عبدالرحمن عنّا، ولنا. 

صفارة الإنذار

استيقظت اليوم الساعة الثامنة إلا عشرة صباحاً على صوت صفارة إنذار تصدح من البناء المجاور للبناء حيث أعيش منذ حوالي شهر، في حي فيدينغ البرليني. يبدو صوت الصفارة وكأنه تسجيلٌ لصوت سيارة إطفاء يُشغّل بالعكس. والمسافة بيني وبينه تجعله غير عالٍ جداً، لكنه مسموع بشكل واضح.

كان من المخطط أن أنام اليوم حتى الظهر، أي حتى العاشرة صباحاً تقريباً. أمس نمت متأخراً جداً بعد سهرة عدت منها مستيقظاً للغاية، ما أجبرني على جولة فيديوهات يوتيوبية على مذهب الرفيق صادق عبد الرحمن. حين أيقظتني صفارة الإنذار بالكاد كنت قد نمت أربع ساعات.

أغلقت الشبابيك وحاولت العودة إلى النوم. عبث. رفعت صوت الراديو (الذي يندر أن أتمكن من النوم -خصوصاً في النهار- دون أن يوشّ بجانبي) لكن صوت الصفارة ما زال مزعجاً.

بدأ الصُداع. حان وقت التركيز الشديد في محاولة النوم. وضعت السماعات وغطيت رأسي.

غفيت، لكنها غفوة مُتعبة أكثر، بدأت بدايات أحلام هلوسية، مخلوطة بصداع، ويدخل بها صوت صفّارة الإنذار. في أحد هذه الأحلام الهلوسية أتذكر أنني متأخر بمراسلة أحد الأشخاص، بدأ السترس. قهوة. افتح الكمبيوتر.

موسيقى؟ عبث. صوت الصفارة يدخل فيها ويخربها. ولكي أغطي على صوت الصفارة يجب أن أرفع الصوت لدرجة قد تُزعج الجيران. اليوم سبت، وقد يكونون نائمين.

نائمين؟ مع صوت الصفارة هذا؟

على فكرة. لماذا ما زالت تصدح؟ لماذا لا يطفؤها أحد؟ لو أن لصّاً دخل وسرق فقد كان لديه الوقت الكافي ليصل إلى.. لا أدري. سلوفينيا؟

لا أقصد أن أهل سلوفينيا لصوص. أنا آسف. تقدير مسافة لا أكثر.. النمسا النمسا. خلاص يا عمي!

الناس يدخلون ويخرجون من البناية. أراهم من نافذتي المطلّة على الفناء الداخلي. لا أحد ينظر إلى مصدر الصوت. وحدي أُخرج رأسي من النافذة كل خمس دقائق.

ماذا لو أنني الوحيد الذي يسمعها؟ هل أتخيلها؟ هل ما زلت ضمن حلم هلوسي صباح سبت بعد سهرة؟ لا. مستحيل. شربت فنجاني قهوة وأفطرت، وأرسلت 8 إيميلات، وتحادثت مع مصطفى الجرادي.

موضوعنا ليس مصطفى الجرادي الآن. دعونا نركّز على صفارة الإنذار.

لا أتخيلها. لكن لستُ متأكداً أن أحداً غيري يسمعها. لا أحد يفعل شيئاً! هي مسموعة بقوة عندي وأنا أبعد عن مصدرها نحو خمسين متراً. إذاً تلك البناية تهتزّ الآن من الدوي.

بناية فارغة؟ لا أعتقد. ربما بناية مكاتب؟ آير-بي-أن-بي؟

عن جد! لماذا لا يوقفونها؟ هل يخافون أن يؤدي إيقافها لتشغيل صفارات الإنذار الأخرى حول فيدينغ؟ هل هناك آوانٍ مستطرقة من الصفارات في هذه المدينة؟ أثر الفراشة؟

هل للفراشة صوت؟ ما اسمه باللغة العربية؟

فيدينغ ما زالت رخيصة نسبياً مقارنةً بمناطق أخرى من برلين. لكنها في طور الجنترة، وسترتفع الأسعار خلال الشهور المقبلة. هل هناك صفارات إنذار في كرويزبرغ تصدح الآن؟ هل هناك صفارات إنذار في برغهايم؟ من سيسمعها إذا دوّت؟ هل هذه عقوبة أتلقاها لأنني، ربما، أساهم في جنترة فيدينغ؟

هناك محل حلويات سورية سيفتتح غداً تحت بنايتي. الحلويات السورية جنترفايد أم غراس روتس؟

أشعر بالأسى على الصفارة. لا بد أنها تعبت. البشر سيئون. المسكينة تصرخ لأن أحداً دخل دون تصريح حيث لا يجب أن يدخل، أو لأن أحداً لم يبرمجها كما يجب فانطلقت بشكل خاطئ. أياً يكن. لا أحد يفعل شيئاً. من المُتأذي أكثر هنا؟ أنا أم الصفارة؟ ويلاه.. أشعر بالذنب الآن.

ثم أن الصفارة لم تأتِ من عدم. بل هي إبنة هذا المجتمع، كبشار الأسد أو داعش، حسب الرأي الأدونيسي الثقافوي الشائع. داخل كل منّا صفارة.. نحن الصفارة!

الساعة الواحدة وخمس دقائق ظهراً والصفارة لم تتوقف بعد. الحائط الأبيض صار أمامي بنفسجياً. أعتقد أنني يجب أن أغادر البيت.

أرجو أن تكون الصفارة قد توقفت حين أعود. لكنني أخاف أنها، حتى لو توقفت، فربما تكون قد ورّثت ابنها.

متلازمة لاهدنتس

حين زار الكاتب الفرنسي الشهير ستندهال كنيسة الصليب المقدس في فلورنسا، إحدى جواهر عصر النهضة الإيطالي، وصف ما شعر به عند رؤية كمّ الجمال والإبداع المعماري والفني في تلك الكنيسة في نصّ شهير، قال فيه أنه شعر بتسارع شديد في ضربات القلب، ودوار جعله يخشى الوقوع على الأرض، وصعوبة جمّة في التنفّس. كان هذا النص باكورة استخدام متكرر لما وُصف رومانسياً بـ ”متلازمة ستندهال“: أعراض الانفعال والوهن والدوار عند مشاهدة معلم جميل لدى بعض مرهفي الإحساس.

استُخدم مصطلح ”متلازمة ستندهال“، وما زال يُستخدم، في الأدب والكتابة، وحتى في اللغة المحكية، بشكل خاص الغزل المتثاقف من نمط: أصابتني متلازمة ستندهال حين رأيتك للمرة الأولى! وحصل أن عمل أخصائيون نفسيون على تأصيل المرض علمياً، ومُنح اسماً آخراً هو ”متلازمة فلورنسا“، في حين عارض أخصائيون آخرون تضخيم المسألة، بالذات فيما يخص ربط الإحساس بمدينة فلورنسا، إذ رأوا فيه دعاية سياحية مُبطّنة، تليق بدونالد دريبر ومجانينه.

عند هذه المرحلة من هذا ”النُصيّص“ يفترض أن أبتدع طريقة لتحويل الكلام من ستندهال وفلورنسا إلى الرقة. ليس لديّ أدنى فكرة حول كيف يمكن أن أكتب تحويلاً سلساً لا يُضيّع القارئ أو يُشعره بأنه دخل مُنعطفاً حادّاً بسرعة فائقة. من محاسن المدوّنة أنها تسمح لك ببعض الكسل في هذه الأمور، وأن تستعيض عن فعل شيء بتعبيرك عن عدم رغبتك في فعله. هذا ما فعله هذا المقطع.

تحدّثت كثيراً في فيسبوك في الفترة الأخيرة عن البحلقة في صور الدمار في الرقة ومحاولة تلمّس ملامح تسمح بمعرفة مكان التقاط الصورة: بقايا شارع، معلم ما، حطام بناء مُميّز.. الخ. في المرّة الأخيرة التي تطرّقت فيها لهذا الأمر قلت أنه يُذكّرني بطلاب الطب حين يتعلّمون تمييز ملامح الصور الشُعاعية والرنين المغناطيسي والإيكو، وكيف يأخذ الأستاذ بيدهم ويريهم الحدود الباهتة بين الأعضاء، وكيف يتعلمون تمييز التراكب، وغيرها من هذه الأمور. يحصل أيضاً أن يكون الأستاذ (خاصة إن كان شاباً) طاووساً بعض الشيء، ويبدأ باستعراض مهاراته في تمييز أشياء يستحيل على طالب طب، وربما أيضاً على طبيب غير مختص بالأشعة، أن يراها أصلاً.

أذكر، قبل سنوات طويلة، أن أحد معارفي، وهو تاجر سيارات، رأى ما كان مُصراً على أنه أثر ضربة تم إصلاحها في سيارة أحد أقربائي، والتي كان قد اشتراها على أنها خالية العَلام. تجمّع ما لا يقل عن خمسة أشخاص حول السيارة، بينهم أنا، وبدّلنا الزوايا وغيّرنا الإضاءة ولم نرَ شيئاً. لكن أمام إصرار ”الأخصائي“ قرر صاحب السيارة الذهاب إلى البائع، وبعد جدال طويلة وتحليفات وتهديد بطلب ”خبرة“، اعترف البائع أن السيارة فعلاً ”مضروبة“.

هناك ”أخصائيون“ يميّزون شوارع الرقة تحت الدمار والحطام هذه الأيام. كل صورة تظهر على فيسبوك تجمع حولها عشرات الرقاويين، ويبدأ النقاش حول أين أُخذت هذه الصورة: أليس هذا محل فلان؟ أليست تلك بناية كذا؟ تلك الزاوية هي الشارع الفلاني.. الخ

أشارك أحياناً في هذه النقاشات، لكنني أخوضها مع نفسي فقط غالباً. عقلي الباطن يحاول التباهي بذاكرة فوتوغرافيّة قويّة للغاية، وعقلي الأقل عمقاً يقمعه بين الحين والآخر.. سجالٌ تافه من ضمن سجالات تافهة كثيرة.

استيقظتُ اليوم على رؤية الصورة المنشورة أعلاه لساعة الرقة. ساحة الساعة هي دوّار أساسي في المدينة. يلتقي فيها شارع القوتلي (أي سوق المدينة الأساسي فيما يخص التبادل مع الريف الأقرب)؛ وشارع تل أبيض (أحد أطول شوارع المدينة وأهمها تجارياً)؛ وشارع الوادي (وهو شارع طويل آخر، يكاد يقسم المدينة إلى جزئين، شرقي وغربي)؛ وشارع يؤدي إلى مديرية التربية والسجن السابق، ثم حارة الشراكسة فالثكنة؛ ونزلة الساعة، التي تؤدي إلى الساحة الضخمة التي كانت تحوي تمثال حافظ الأسد الشهير الذي هوى، وهذه الساحة الضخمة هي فعلياً مدخل المدينة الرئيسي.

في نزلة الساعة عاشت الرقة إحدى مشاهدها الأيقونية الثورية، حين حاولت مظاهرة انطلقت بعد تشييع الشهيد علي البابنسي، أواسط آذار عام 2012، الوصول إلى ”ساحة الرئيس“. فتحت الشرطة العسكرية النار على المظاهرة واستشهد ما لايقل عن عشرة أشخاص. قبل فتح النار حاول بعض المتظاهرين إثبات سلميّتهم بفتح أذرعهم والجثو على ركبهم أمام حاجز الشرطة العسكرية، ما لم يمنع الأوباش ذوي القبعات الحمر من فتح النار عليهم.

على الزاوية الجنوبية الشرقية لساحة الساعة نجد (أو كنا نجد) مبنى البريد القديم، وقد دُمّر تماماً، وخلفه إبتدائية الرشيد؛ والزاوية الجنوبية الغربية مشغولة ببناء كان مدرسةً للإناث، ليتحوّل لاحقاً إلى ”شعبة التربية“ لحزب البعث. في شرق الساحة فندق اسمه ”غرناطة“، قديم ومتهالك، لا أدري لماذا يرتبط في ذهني بأغاثا كريستي، رغم أنها لم تزر الرقة، وخلفه يظهر بناء ضخم وجميل، وهو بيت آل الكعكجي. باقي ما يُحيط بالساحة هو محلات تجارية.

وسط الساحة هناك برج الساعة، الذي بُني في الستينات، وكان مكانه مشغولاً قبل ذلك بسينما صيفية (حسبما أسمع من الرفيق الوالد). كان ثمة تمثال مزدوج يعلو الساعة، سوفيتي القوام، لرجل وامرأة يحملان مشعلاً. كانت الساعة معطّلة على الدوام، وتعمل فقط عند تغيير رئيس البلدية. يحاول دوماً رئيس البلدية الجديد إثبات أنه ”شغّيل“ عبر تشغيل الساعة لبضعة أسابيع. أحد هؤلاء لبّس برج الساعة حجراً سورياً أوائل التسعينات، وأحاطها بسياج من نفس الحجر، ثم قام آخر بإضافة مكبرات تصدر صوتاً مزعجاً للغاية رأس كل ساعة، صوت يُفترض أنه موسيقى أجراس. من حسن الحظ أن الساعة كانت تتعطّل بسرعة.

كأماكن كثيرة أخرى من الرقة، أعرف تلك المنطقة جيداً، ولديّ، كما قلت، ذاكرة فوتوغرافية قادرة على تمييز ملامح الأبنية رغم مرور السنين. مع ذلك، قضيت دقائق طويلة أتفحّص الصورة: هذه هي الساعة، لكن من أي زاوية التُقطت الصورة؟ عُرض الشارع يترك خيارين فقط: إما شارع القوتلي أو شارع الوادي. القوتلي؟ إذاً المدرسة على اليسار، وهذا الذي على اليمين هو فندق غرناطة. لكن الملامح مختلفة.. إذاً الوادي؟ لا.. الوادي مستحيل. الخ

في خضمّ هذا الحوار، المتكرر مع كلّ صورة، تذكرت المرحوم ستندهال. في هكذا حالة، حين تظهر أمامي صورة لدمار الرقة (لا أبحث عن الصور بحثاً، لكن لا أتجنب رؤيتها حين تظهر أمامي) أشعر بنفضة صدرية مفاجئة، وحوار ذاتي قد يدوم أجزاء من الثانية حول هل أتفحصها أو لا. لتبدأ دقات القلب بالتسارع مع تمييز ملامح قريبة من شارع المنصور، ثم تعرّق بارد، ثم فتحً أبله لتشات الفيسبوك لرؤية من من أصدقائي أو أقربائي على الخط (وغالباً ما يكون طارق الشام هو ”ضحيتي“) كي نتبادل الخبرات حول الصورة..

ليست هذه العملية شأناً خاصاً بالرقاويين بطبيعة الحال، فهي حالة عاشتها مدن وبلدات كثيرة من الجغرافيا السورية للأسف. يُميّز الرقة قلّة الصور، وعدم القدرة على التواصل مع من بإمكانه أن يُصوّر لك شيئاً محدداً. ربما هذه الأخيرة جيدة، لأنني لستُ متأكداً من رغبتي برؤية حارتي اليوم، صراحةً. الفظاعة جذّابة، للمفارقة، وكلما كانت الفظاعة أقرب كلما كانت أكثر ألماً، وجاذبيتها أكثر مغناطيسية. يحدث أن أخاف من هذا الشيء، وأخاف على من لا يخافه بشكل مسبق، وهنا أفكر بوالدي بشكل خاص. هو الآخر ”متفحّص صور“ محترف منذ خرج من الرقة قبل شهرين ونيف. يخطر لي أحياناً أن أطلب منه ألا يفعل، ولا أجرؤ، لأنني أعلم أنه طلب غير ذي جدوى.

لم أُصب بالدوار، لكن أعرف من أُصيب به عند رؤية صورة. أعرف من بكى عندما شاهد مقبرة الرقة مجروفة، وأعرف أنني لست الوحيد الذي يعيش تسارع ضربات القلب والتعرّق البارد والبحث الفُجائي عن ”إمداد“ من آخرين، على تشات الفيسبوك أو على الهاتف. إمدادٌ لا يبدو بحثاً عن رأي إضافي أو معلومة مُساعدة بقدر ما هو مؤازرة: لا أريد أن ”أتعرّف“ على هذا المشهد لوحدي.

ليست الرقة فلورنسا، وليس أحدٌ منا ستندهال، وليس الأمر ردّة فعلٍ على الجمال، بل تفحًص الشناعة بأشنع تجلياتها. ما وصفته أعلاه ليس حتى ”مُتلازمة“. لكن نرجسية الكآبة الرقاوية جعلتني أفترض أنه متلازمة فعلاً، وأنه هذه المتلازمة ليست إلا خيال مرآةٍ غروتِسكي لمتلازمة ستندهال، ومن هنا فذلكة عكس ترتيب حروف اسم الكاتب الفرنسي في العنوان.

بلم 5

قبل أيام، كنت أبحث في تلفوني عن رقم ما. لا أذكر تحت أي اسم حفظته حين أرسله لي أحد الأصدقاء قبل شهور عبر وتس أب. ربما حفظته دون اسم (وكثيراً ما أفعل)، أو بالاسم الذي أرسله صديقي، أو وضعت له اسماً. لا أدري. لكن كنت أعتقد أنني لو شاهدت الاسم أو الرقم فسأعرفه، لذلك بدأت بتفقد القائمة أبجدياً.

انتهت قائمة الأسماء بالأحرف اللاتينية (وهي الغالبية العظمى)، وبدأت الحروف العربية. عند حرف الباء اكتشفت أن لدي أرقام عديدة تحت اسم “بلم”. لدي “بلم 1”؛ “بلم 2”؛… وهكذل حتى “بلم 7”.

لفت نظري غياب “بلم 5” عن المتوالية.

هذه أرقام حفظتها على تلفوني في الفترة التي تلاحق فيها سفر أصدقاء عبر البحر باتجاه أوروبا، خلال صيف 2015 وحتى بداية 2016 ودخول الاتفاق بين تركيا والاتحاد الأوروبي حيّز التنفيذ وفرض الفيزا على السوريين الراغبين بدخول تركيا. كنت أحفظ هذه الأرقام احتياطاً مع رقم الصديق المسافر: نطلب منه رقماً إضافياً يطلبه من أحد مرافقيه كي نطمئن عليه خلال سفره، أو كي يرسل لنا رسالة استغاثة في حال تعرضوا لمشكلة كي نُرسل الموقع، عبر وتس أب، إلى خفر السواحل.

وجدت أيضأ أن لدي رقم “خفر سواحل اليونان”. هذا الرقم ظريف. اضطررنا لاستخدامه مرتين، ولحسن الحظ جرى إنقاذ المستغيثين. حين تفتح محادثة وتس أب معه تجد أنهم قد وضعوا “لوغو” خفر السواحل كصورة شخصية، ووضعوا “ستاتوس” يقول “فقط وتس أب، لا تحاول الاتصال”.

عندي أيضاً رقمان، “كراج” و”كراج1” كنت قد حفظتهما لكي أتمكن من الحديث مع “فرقة إنقاذ” (وجدنا معلوماتها في مجموعة فيسبوكيّة اسمها كراجات المشنططين، من هنا التسمية) عبر وتس أب. وجدنا الأرقام في ليلة عصيبة من تشرين الثاني 2015، استغاث بها معارف أحد أصدقائي حين كنا سويةً في أحد مقاهي اسطنبول.

أتذكر الرقمين الأخيرين، وأتذكر متى حفظتهما. لكني لا أستطيع الربط بين أرقام “بلم” ورحلة أي من الأصدقاء والأقارب. ست رحلات، ستة أرقام. لا أدري أي رقم لأي رحلة.

هي رحلات أصدقاء عاشوا زمناً في تركيا، ثم قرروا الرحيل لأسباب مختلفة. أو أصدقاء آخرون أتوا إلى اسطنبول فقط كي يركبوا البحر أو يأخذوا طريق البر. بعضهم قضى أياماً في اسطنبول كـ”سائح” قبل ركوب القارب، وبعضهم قضى أشهراً. هناك أصدقاء لم يرحلوا تهريباً بل بطريقة نظامية، لكنهم قضوا فترة في اسطنبول بانتظار الفيزا.

أياً يكن، كانوا جزءاً من “اسطنبول سوريّة”. هناك أكثر من اسطنبول. هناك عدة اسطنبولات تركيّة، وهناك أيضاً عدة اسطنبولات سوريّة. قد تكون المسافة النفسية بين اسطنبول واسطنبول من حجم المسافة بين بيروت وبرلين، أو أكثر!

اسطنبولنا السوريّة، هذه التي تتمشّى في “الـ”استقلال؛ تركب المترو في “تأسيم”؛ تضرب مواعيداً في “ساحة الخوازيق”؛ تقيم في “الـ”فاتح؛ تأكل “شاورما سوريّة”؛ تشتري الملابس في “أل سي وايكيكي”؛ وتشتكي أن “الأتراك ما بيحكوا انكليزي”، كانت كوزموبوليتية على أيام البلم. مفتوحة، شرِحة، من دُبي إلى مالمو (حاول لفظ “مالمو” بإمالة الألف، على الطريقة الحلبية)، من الرقة إلى برلين، ومن باريس إلى الاسكندرية، ومن بيروت إلى أمستردام. كانت سوريّة، سوريّة جداً. لكنها كانت “عالمية” أيضاً. مطار أتاتورك كان عاصمة. كانت طريقة التهرّب من موعد ما هو ادّعاء أن لديك أقرباء يجب أن تستقبلهم في المطار لأنهم قادمون كي يركبوا البحر. ربما تقول “صبيحة” بدل أتاتورك كي تزيد الادّعاء تعقيداً، والمشوار طولاً.

اسطنبول السوريّة اليوم خانقة، مغلقة. قبو “1+1”، وكمسيون شهر للـ”إملاكجي”، وشهرين “ديبوزيت”. والـ”كومبي” يتعطّل يوم الثلج.

….

لم أجد الرقم الذي كنت أبحث عنه. لكن عندي أرقام بلمات لا يمكنني أن أعرف أين هم أصحابها الآن. على كل حال، تركتها محفوظة ولم أحذفها.

النهايات

لا أتذكر كيف، ولا متى، لكنني اكتشفت منذ صباي أن لديّ تعلقاً غريباً بما انتهى زمانه وبقيت آثاره. مثلاً، أحبّ منظر المصايف في الخريف، أي الفنادق المقفرة بعد صيف مزدحم، بقايا المظلات، أكشاك بيع المثلجات والمرطبات المغلقة في الشواطئ الرمادية..

في جنوب سانتياغو هناك حديقة أقيمت على ضفة نهر صغير يقطع سانتياغو، واسمه “ساريلا”. هذا النهر هو عبارة عن رافد لنهر أكبر اسمه “سار”. تمرّ هذه الحديقة بآثار مطاحن من القرن التاسع عشر، انمحى منها كل ما هو خشبي وبقيت الجدران الحجريّة فقط. هذه المطاحن هي إحدى زواياي المفضلة في المدينة.

ليست الفكرة في الإعجاب بالتحف أو الآثار، أو ببساطة ما هو قديم. الأمر غير متعلّق بنوستالجيا ماضويّة على الإطلاق، بل في آثار الماضي على الحاضر، آثار لم يعد لها معنى أو فائدة. كانت هنا، وبقيت هنا، لكن بدون مغزى. هي هنا لأن أحداً لم يهتم بألا تكون. لا أدري كذلك إن كان لذلك علاقة مع كوني شخص مدقع الفشل في التعامل مع نهايات الأشياء. هذه الـ”نقطة انتهى”، الضرورية للغاية من أجل تأسيس البدايات، ليست اختصاصي على الإطلاق، بل أن هذه النقاط هي كجمرٍ أتهرّب من الإمساك به. تنطبق هذه المعضلة حتى على المسلسلات والروايات، ثمة كآبة سمجة تطلّ برأسها في الصفحات الأخيرة، أو بعد انتصاف الموسم الأخير من المسلسل. حين أشاهد مسلسلاً للمرة الثانية، أو أعيد قراءة رواية أحبّها، ليس من الغريب أن أترك النهاية دون مشاهدة أو قراءة. أعرف ما حدث لأنني قرأته أو شاهدته في المرّة الأولى (رغماً عني)، لكن النهايات المفتوحة، التي ليست نهايات، مريحة أكثر، أو هكذا أقنع نفسي.

هنا، من البديهي القول أنني أعاني أيضاً كآبة مساء الأحد الشهيرة. ليس من المعتاد أن تكون عطل نهاية الأسبوع مميزة جداً عندي، بل ليس من المعتاد أن تكون “عُطلاً” أصلاً. لكن مع ذلك، نهايتها كشبك العنكبوت.

من هذا الباب، ربما، كانت (نهاية) علاقتي مع التدوين ملتبسة. بدأت أبتعد عنه في 2011، حين أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أكثر ملاءمة لآنية الأخبار وسرعتها؛ وأيضاً لأنني بدأت أكتب في صحف ومواقع الكترونية، ثم في الجمهوريّة. لكن مع ذلك، بقيت مدونتي مفتوحة، أشعر بالذنب تجاهها بين الحين والآخر فأكتب لها تدوينات متباعدة، أو أضع فيها المحتوى المنشور سابقاً في مواقع أخرى فقط لكي أشعر أنني لم أزرها خالي اليدين. كانت مدونتي السابقة أرشيف نموّي وتطوري وخراقاتي خلال ما يقارب العقد. لا شيء فيها أتبرأ منه، لكن فيها الكثير مما يستحيل أن أقرأه اليوم دون أن أشعر بالكثير من الخجل من سطحيته أو قلة إحاطته.

لكن هناك ما أحنّ إليه من زمن التدوين: الجرأة. لم أكن أخاف الخطأ أو “التخبيص”. العمر؛ قلة الاكتراث للمسؤولية تجاه المنبر؛ الإحساس بأن “جمهورك” أصغر من جمهور المنابر الأعم، وأقل انفعالاً (وتحطيماً) من “أصدقاء” وسائل التواصل الاجتماعي؛ فداحة ما يحيط بك، ويجعلك تقنع نفسك أن أقل ما يمكن أن تفعله لضحاياه هو ألا تكون “تافهاً”.

ولأن مدونتي السابقة هي “تاريخ” بالنسبة لي، فقد كان وجودها ثقيلاً بعض الشيء، لذلك أغلقتها صيف العام الماضي. لم يُحذف محتواها، لكنه لم يعد عامّاً. كنت كذلك أقنع نفسي بضرورة وضع نقطة نهاية لمرحلة التدوين، تكريماً لها كمرحلة تأسيسية من حياتي، وأيضاً كمساعدة لإعادة تعريف نفسي خارجها.

مجموع هذه الأمور عبارة عن قيود، عن عدد هائل من المسودّات غير المكتملة، التي لا تحظى باهتمام (وجرأة أحياناً) لإكمالها؛ ولا تحصل على موت كريم في سلة مهملات الكمبيوتر. فقط تبقى عالقة على سطح المكتب، أو داخل ملف اسمه “مسودات”.

التعامل مع النهايات، مجدداً..

هذه المدونة فُتحت والتدوين يشبه تلك المطاحن على ضفة نهر ساريلا. يُعلن ويُعاد إعلان موت التدوين منذ 2009، أي منذ تضاعف انتشار فيسبوك وتويتر. لكن المدونات موجودة، وإن خامدة. بين الحين والآخر يظهر نص هنا، مدونة جديدة هناك، مدوّن ما يشعر بالذنب تجاه مدونته.. الخ

لا يجيد التدوين التعاطي مع النهايات، نشبه بعضنا.

القصد من هذه المدوّنة هو أن تكون، إلى حدّ ما، كشاطئ الاصطياف في الخريف، ما يوفّر بعض الإحساس بالأمان من مسؤولية المنبر الكبير، أو آنية الصراع الفيسبوكي المنغلق. ابتعاد دون عزلة. هذا هو القصد المفترض، لكن لا شك أن هناك قدراً كبيراً من العجز عن التعامل مع أن هناك نقطة نهاية لمسيرتي كمدوّن.

هذا لا يعني أن هذه المدونة ستستمر وينتظم نشرها، أو ستتوقف وتُغلق تماماً. لا أدري في الحقيقة. هي مجرد مكان دون إحساس بالكثير من المسؤولية تجاهه. مكان لا “ينق” عليك مطالباً بنهايته..