أرشيف الأوسمة: الرقة

شوي

هذه التدوينة إستذكار لـ“شوي“، جار وصديق وزميل مغامرات رياضية في الرقة. سبق وأن كتبت عنه ”بوست“ على الفيسبوك أعلم أنه سيظهر في قسم ”ذكريات الفيسبوك“ بعد أيام قليلة، و“شوي“ يستحق أكثر بكثير من أن يكون مجرد ذكرى فيسبوكية.

“شوي” هو عبد الرزاق. ابن حارتي في الرقة، ذلك المستطيل الواقع بين الجامع الكبير وحارة الحسون جنوباً؛ وشارع 23 شباط شمالاً؛ وشارع المنصور غرباً؛ وشارع سيف الدولة شرقاً. بيت عائلة ”شوي“ في إحدى الحارات المتفرعة من شارع سيف الدولة. تعود أصول عائلة “شوي” إلى ريف حلب الشرقي، كنسبة كبيرة من أهل الرقة.

“شوي” أكبر مني ببضع سنوات. لُقّب بـ“شوي“ إثر نجاحه في الشهادة الإعدادية بعد رسوب مجلجل في المحاولة الأولى. قُرّر حينها أن على ”شوي“ أن يتعلّم مهنة ما. لذلك، عمل ”شوي“ لأيام في الحلاقة؛ لأسابيع في النجارة؛ ثم أسبوعين في تمديدات الكهرباء؛ ثم شهرين في الدهان، ثم حطّم رقمه القياسي الخاص حين عمل لساعتين فقط في كهرباء السيارات. كانت المحصلة أن ”شوي“ يعرف ”شوي“ عن مروحة هائلة الحجم من المهن، أو يعتقد أنه يعرف. 

في الحقيقة، كان ”شوي“ مقتنعاً أنه يعرف الكثير، أكثر بكثير من معرفة كل الناس. مشكلة ”شوي“ أن العالم عاجز عن استيعاب هذا الأمر.

تعرّفت على ”شوي“ وأنا في المرحلة الإعدادية. لم يكن موقفه محسوماً من اللقب، فقد يتجاهله أحياناً، أو يغضب منه أحياناً أخرى. التسمية الرسمية كانت ”عبّود“ وأحياناً ”رزوق“. وبُنيت صداقتي معه على أساسين: كرة اليد وكرة القدم. كنّا، أسوةً بأغلب أبناء الحارة، مشجعين لنادي الفرات، وخاصة في كرة اليد، مفخرتنا الرياضية المحلية (يحتاج نادي الفرات، بتاريخه ومعانيه، لعودة مطوّلة)، وشاركنا في تأسيس رابطة مشجعي نادي الفرات قبل أن تنتهي التجربة لأن جمهور نادي الشباب (منافسنا الرقاوي) تمكّن من لافتاتنا وأحرقها بعد خسارة فادحة أوقعناها بهم.

كان ”شوي“ قصير القامة، نحيلاً بشكل ملفت للنظر، يمزج غضبه وسوداويته ونكده الدائم مع حسّ فكاهي وسرعة بديهة تهكّمية من الطراز الرفيع، ما منحه كاريزما تتيح له تصدّر أي جَمعة أصدقاء بمونولوجاته الردحية. يرتدي جاكيت جلد أسود، أكبر بقياسين على الأقل من مقاسه المفترض طوال تسعة أشهر كل عام، ويدخّن بشراهة وهو مقرفص على مدرجات الصالة الرياضية ويوزّع الشتائم. لا أتذكر ”شوي“ إلا وهو يوزّع الشتائم كرشاش أوتوماتيكي. 

لاحقاً، قررنا تأسيس فريق كرة قدم يُشارك في دوري الأحياء الشعبية في الرقة. 

كان لدوري الأحياء الشعبية، (وهو في الحقيقة توافقات على مباريات أيام العطلة أكثر من كونه دوري منظّم ومُجدول، فيه فرق مديدة في العمر وفرق أخرى تظهر وتختفي حسب المزاج والهمّة)، ثلاثة ملاعب أساسية: ملعب ثانوية الرشيد (الذي تحوّل بشكل مؤلم إلى مقبرة خلال الاحتلال الداعشي، وخاصة أثناء الحرب ضد داعش التي تناست أن الرقة بلد له أهل)؛ وملعب آخر جنوب ساحة الإطفائية، التي اشتُهرت عند إسقاط تمثال حافظ الأسد فيها؛ وملعب السور، الذي لم يكن ملعباً بالمعنى الفعلي بل استخداماً غير مفهوم لمستطيل ترابي غير منتظم يقع خارج سور الرقة الأثري بالقرب من مدرسة حطين)؛ والملعب الأسود (الملعب البلدي، أو النقطة 11 حسب تسمية داعش اللعينة). كان هذا الأخير ما زال في المرحلة النهائية من إنشائه بعد أكثر من عشرين عاماً على العظم، وكان ممنوعاً علينا رسمياً، لكننا كنا نستخدمه بفضل الواسطة و/أو الرشوة، أو بمغافلة الحرّاس، أو تواطؤهم معنا في أيام المزاج الحسن. 

عدا كونه لاعباً،كان ”شوي“ العقل المدبر للفريق. لا يكفيه أن نقول عنه أنه كان مدرباً لنا. ”شوي“ أكبر من أن يكون مجرد مدرب، بل كان ”آليكس فيرغسن“ الخاص بفريقنا، الذي وُلد ومات، بعد موسم واحد، دون أن نتفق على اسم له. في الحقيقة لم يكن هناك خطة ولا تقسيم مهام، بل مجرد لعب للتسلية، لكن كمية الغضب الصادر عن “شوي” طوال الوقت كانت تجعلنا نعتقد أننا ننافس على دوري أبطال أوروبا، ما يزيد من تهكّمنا منه، وبالتالي يزيد غضبه.

بعد محاولتين فاشلتين لتقديم البكالوريا الأدبي كطالب حُر، ومحاولة النجاح بالغش -لأن وقت ”شوي“ أثمن من أن ينفقه في الدراسة، أدّى ”شوي“ الخدمة العسكرية- وكعدد كبير من أبناء الرقة، قضى خدمته الإلزامية في لبنان، من حيث عاد مبهوراً ومسحوراً. وبعد أشهر قليلة من تسريحه، قضاها متنهداً ومدخناً ومكتئباً عند حلاّق الحارة، قرر خوض تجربة الهجرة إلى لبنان. 

بقي ”شوي“ في لبنان أقل من عام، عمل خلالها في بقالية وفي محطة محروقات، ثم عاد إلى الرقة. لكنه بقي مسحوراً بلبنان وطبيعته وحياته وفتياته. أعاد حينها تقديم البكالوريا بالغش، ونجح! 

كبرت مشاريع ”شوي“ بعد البكالوريا، وبدأ حتى بدراسة فرع جامعي ما، لكن فرصة عمل في السعودية سرقته من أفكاره تحت ضغط أهله الشديد، إذ عرض عليه أحد أقربائه أو من معارف عائلته، لا أذكر، تدبير عمل له في التمديدات الكهربائية في مشاريع تعمير في جازان. وسافر ”شوي“ إلى الجنوب السعودي، حيث مكث بالكاد خمس شهور قبل أن يعود غارقاً في كآبته. لم يتحمّل ”شوي“ الحياة الرتيبة في جازان، ولم يتأقلم مع ظروف عمله الصعبة في الإنشاءات، تحت الشمس اللاهبة.

تجربة جازان ضاعفت من نوستالجيا لبنان لدى ”شوي“. ولأن الشعر ينبع من عمق معاناة الإنسان، قرر ”شوي“ التعبير عن ذلك شعرياً باستنباط بيت شعري فكاهي، يُقارن بين جازان ولبنان ويستفيد من سهولة القافية، ولا مجال لذكره هنا. ولأنه ”شوي“ فقد بدأت تجربته الشعرية وانتهت في بيت شعر واحد. 

انقطعت أخبار ”شوي“ عني تماماً منذ انتقالي إلى إسبانيا عام 2002، إلى أن صدفت أحد أقربائه من جيراننا في الرقة في عنتاب التركية قبل عامين، وأخبرني أن ”شوي“ كان قد توفي قبل ذلك بعام ونص بعد إصابته بالسرطان. كان قد قضى الشهور الأخيرة من حياته في الرقة، متهكّماً برغبته في أن تأتي غارة جوية و“تقشّه“ لينزل إسمه شهيداً على ”الأنترنت“. 

ربما كان عبود “شوي” في همّته المهنية وقدرته على الالتزام بعمل والبقاء فيه، لكنه كان “كثيراً” في مرحه الغاضب وفكاهته النكدية، وفي البحث عن متعة حياتية حتى في مستطيل ترابي غير مفهوم كالملعب الذي كنا نغبّر ثيابنا به كل جمعة أو جمعتين بجانب السور الأثري. ذكرى “شوي” هي أيضاً ذكرى كثير من الحياة المدفونة الآن تحت أنقاض الرقّة، ضحك ولعب وجدّ وحب أجيال رقاوية عديدة، نرجو أن تكتمل بأجيال أخرى قادمة، تلعب كرة القدم، وتتسلى، وتتشاجر في مدرجات الملعب البلدي أو الصالة الرياضية، وتضحك مع “شوي” آخر سيظهر بلا شك. لا رقّة بدون “شوي” لكلّ جيل.

الإعلانات

متلازمة لاهدنتس

حين زار الكاتب الفرنسي الشهير ستندهال كنيسة الصليب المقدس في فلورنسا، إحدى جواهر عصر النهضة الإيطالي، وصف ما شعر به عند رؤية كمّ الجمال والإبداع المعماري والفني في تلك الكنيسة في نصّ شهير، قال فيه أنه شعر بتسارع شديد في ضربات القلب، ودوار جعله يخشى الوقوع على الأرض، وصعوبة جمّة في التنفّس. كان هذا النص باكورة استخدام متكرر لما وُصف رومانسياً بـ ”متلازمة ستندهال“: أعراض الانفعال والوهن والدوار عند مشاهدة معلم جميل لدى بعض مرهفي الإحساس.

استُخدم مصطلح ”متلازمة ستندهال“، وما زال يُستخدم، في الأدب والكتابة، وحتى في اللغة المحكية، بشكل خاص الغزل المتثاقف من نمط: أصابتني متلازمة ستندهال حين رأيتك للمرة الأولى! وحصل أن عمل أخصائيون نفسيون على تأصيل المرض علمياً، ومُنح اسماً آخراً هو ”متلازمة فلورنسا“، في حين عارض أخصائيون آخرون تضخيم المسألة، بالذات فيما يخص ربط الإحساس بمدينة فلورنسا، إذ رأوا فيه دعاية سياحية مُبطّنة، تليق بدونالد دريبر ومجانينه.

عند هذه المرحلة من هذا ”النُصيّص“ يفترض أن أبتدع طريقة لتحويل الكلام من ستندهال وفلورنسا إلى الرقة. ليس لديّ أدنى فكرة حول كيف يمكن أن أكتب تحويلاً سلساً لا يُضيّع القارئ أو يُشعره بأنه دخل مُنعطفاً حادّاً بسرعة فائقة. من محاسن المدوّنة أنها تسمح لك ببعض الكسل في هذه الأمور، وأن تستعيض عن فعل شيء بتعبيرك عن عدم رغبتك في فعله. هذا ما فعله هذا المقطع.

تحدّثت كثيراً في فيسبوك في الفترة الأخيرة عن البحلقة في صور الدمار في الرقة ومحاولة تلمّس ملامح تسمح بمعرفة مكان التقاط الصورة: بقايا شارع، معلم ما، حطام بناء مُميّز.. الخ. في المرّة الأخيرة التي تطرّقت فيها لهذا الأمر قلت أنه يُذكّرني بطلاب الطب حين يتعلّمون تمييز ملامح الصور الشُعاعية والرنين المغناطيسي والإيكو، وكيف يأخذ الأستاذ بيدهم ويريهم الحدود الباهتة بين الأعضاء، وكيف يتعلمون تمييز التراكب، وغيرها من هذه الأمور. يحصل أيضاً أن يكون الأستاذ (خاصة إن كان شاباً) طاووساً بعض الشيء، ويبدأ باستعراض مهاراته في تمييز أشياء يستحيل على طالب طب، وربما أيضاً على طبيب غير مختص بالأشعة، أن يراها أصلاً.

أذكر، قبل سنوات طويلة، أن أحد معارفي، وهو تاجر سيارات، رأى ما كان مُصراً على أنه أثر ضربة تم إصلاحها في سيارة أحد أقربائي، والتي كان قد اشتراها على أنها خالية العَلام. تجمّع ما لا يقل عن خمسة أشخاص حول السيارة، بينهم أنا، وبدّلنا الزوايا وغيّرنا الإضاءة ولم نرَ شيئاً. لكن أمام إصرار ”الأخصائي“ قرر صاحب السيارة الذهاب إلى البائع، وبعد جدال طويلة وتحليفات وتهديد بطلب ”خبرة“، اعترف البائع أن السيارة فعلاً ”مضروبة“.

هناك ”أخصائيون“ يميّزون شوارع الرقة تحت الدمار والحطام هذه الأيام. كل صورة تظهر على فيسبوك تجمع حولها عشرات الرقاويين، ويبدأ النقاش حول أين أُخذت هذه الصورة: أليس هذا محل فلان؟ أليست تلك بناية كذا؟ تلك الزاوية هي الشارع الفلاني.. الخ

أشارك أحياناً في هذه النقاشات، لكنني أخوضها مع نفسي فقط غالباً. عقلي الباطن يحاول التباهي بذاكرة فوتوغرافيّة قويّة للغاية، وعقلي الأقل عمقاً يقمعه بين الحين والآخر.. سجالٌ تافه من ضمن سجالات تافهة كثيرة.

استيقظتُ اليوم على رؤية الصورة المنشورة أعلاه لساعة الرقة. ساحة الساعة هي دوّار أساسي في المدينة. يلتقي فيها شارع القوتلي (أي سوق المدينة الأساسي فيما يخص التبادل مع الريف الأقرب)؛ وشارع تل أبيض (أحد أطول شوارع المدينة وأهمها تجارياً)؛ وشارع الوادي (وهو شارع طويل آخر، يكاد يقسم المدينة إلى جزئين، شرقي وغربي)؛ وشارع يؤدي إلى مديرية التربية والسجن السابق، ثم حارة الشراكسة فالثكنة؛ ونزلة الساعة، التي تؤدي إلى الساحة الضخمة التي كانت تحوي تمثال حافظ الأسد الشهير الذي هوى، وهذه الساحة الضخمة هي فعلياً مدخل المدينة الرئيسي.

في نزلة الساعة عاشت الرقة إحدى مشاهدها الأيقونية الثورية، حين حاولت مظاهرة انطلقت بعد تشييع الشهيد علي البابنسي، أواسط آذار عام 2012، الوصول إلى ”ساحة الرئيس“. فتحت الشرطة العسكرية النار على المظاهرة واستشهد ما لايقل عن عشرة أشخاص. قبل فتح النار حاول بعض المتظاهرين إثبات سلميّتهم بفتح أذرعهم والجثو على ركبهم أمام حاجز الشرطة العسكرية، ما لم يمنع الأوباش ذوي القبعات الحمر من فتح النار عليهم.

على الزاوية الجنوبية الشرقية لساحة الساعة نجد (أو كنا نجد) مبنى البريد القديم، وقد دُمّر تماماً، وخلفه إبتدائية الرشيد؛ والزاوية الجنوبية الغربية مشغولة ببناء كان مدرسةً للإناث، ليتحوّل لاحقاً إلى ”شعبة التربية“ لحزب البعث. في شرق الساحة فندق اسمه ”غرناطة“، قديم ومتهالك، لا أدري لماذا يرتبط في ذهني بأغاثا كريستي، رغم أنها لم تزر الرقة، وخلفه يظهر بناء ضخم وجميل، وهو بيت آل الكعكجي. باقي ما يُحيط بالساحة هو محلات تجارية.

وسط الساحة هناك برج الساعة، الذي بُني في الستينات، وكان مكانه مشغولاً قبل ذلك بسينما صيفية (حسبما أسمع من الرفيق الوالد). كان ثمة تمثال مزدوج يعلو الساعة، سوفيتي القوام، لرجل وامرأة يحملان مشعلاً. كانت الساعة معطّلة على الدوام، وتعمل فقط عند تغيير رئيس البلدية. يحاول دوماً رئيس البلدية الجديد إثبات أنه ”شغّيل“ عبر تشغيل الساعة لبضعة أسابيع. أحد هؤلاء لبّس برج الساعة حجراً سورياً أوائل التسعينات، وأحاطها بسياج من نفس الحجر، ثم قام آخر بإضافة مكبرات تصدر صوتاً مزعجاً للغاية رأس كل ساعة، صوت يُفترض أنه موسيقى أجراس. من حسن الحظ أن الساعة كانت تتعطّل بسرعة.

كأماكن كثيرة أخرى من الرقة، أعرف تلك المنطقة جيداً، ولديّ، كما قلت، ذاكرة فوتوغرافية قادرة على تمييز ملامح الأبنية رغم مرور السنين. مع ذلك، قضيت دقائق طويلة أتفحّص الصورة: هذه هي الساعة، لكن من أي زاوية التُقطت الصورة؟ عُرض الشارع يترك خيارين فقط: إما شارع القوتلي أو شارع الوادي. القوتلي؟ إذاً المدرسة على اليسار، وهذا الذي على اليمين هو فندق غرناطة. لكن الملامح مختلفة.. إذاً الوادي؟ لا.. الوادي مستحيل. الخ

في خضمّ هذا الحوار، المتكرر مع كلّ صورة، تذكرت المرحوم ستندهال. في هكذا حالة، حين تظهر أمامي صورة لدمار الرقة (لا أبحث عن الصور بحثاً، لكن لا أتجنب رؤيتها حين تظهر أمامي) أشعر بنفضة صدرية مفاجئة، وحوار ذاتي قد يدوم أجزاء من الثانية حول هل أتفحصها أو لا. لتبدأ دقات القلب بالتسارع مع تمييز ملامح قريبة من شارع المنصور، ثم تعرّق بارد، ثم فتحً أبله لتشات الفيسبوك لرؤية من من أصدقائي أو أقربائي على الخط (وغالباً ما يكون طارق الشام هو ”ضحيتي“) كي نتبادل الخبرات حول الصورة..

ليست هذه العملية شأناً خاصاً بالرقاويين بطبيعة الحال، فهي حالة عاشتها مدن وبلدات كثيرة من الجغرافيا السورية للأسف. يُميّز الرقة قلّة الصور، وعدم القدرة على التواصل مع من بإمكانه أن يُصوّر لك شيئاً محدداً. ربما هذه الأخيرة جيدة، لأنني لستُ متأكداً من رغبتي برؤية حارتي اليوم، صراحةً. الفظاعة جذّابة، للمفارقة، وكلما كانت الفظاعة أقرب كلما كانت أكثر ألماً، وجاذبيتها أكثر مغناطيسية. يحدث أن أخاف من هذا الشيء، وأخاف على من لا يخافه بشكل مسبق، وهنا أفكر بوالدي بشكل خاص. هو الآخر ”متفحّص صور“ محترف منذ خرج من الرقة قبل شهرين ونيف. يخطر لي أحياناً أن أطلب منه ألا يفعل، ولا أجرؤ، لأنني أعلم أنه طلب غير ذي جدوى.

لم أُصب بالدوار، لكن أعرف من أُصيب به عند رؤية صورة. أعرف من بكى عندما شاهد مقبرة الرقة مجروفة، وأعرف أنني لست الوحيد الذي يعيش تسارع ضربات القلب والتعرّق البارد والبحث الفُجائي عن ”إمداد“ من آخرين، على تشات الفيسبوك أو على الهاتف. إمدادٌ لا يبدو بحثاً عن رأي إضافي أو معلومة مُساعدة بقدر ما هو مؤازرة: لا أريد أن ”أتعرّف“ على هذا المشهد لوحدي.

ليست الرقة فلورنسا، وليس أحدٌ منا ستندهال، وليس الأمر ردّة فعلٍ على الجمال، بل تفحًص الشناعة بأشنع تجلياتها. ما وصفته أعلاه ليس حتى ”مُتلازمة“. لكن نرجسية الكآبة الرقاوية جعلتني أفترض أنه متلازمة فعلاً، وأنه هذه المتلازمة ليست إلا خيال مرآةٍ غروتِسكي لمتلازمة ستندهال، ومن هنا فذلكة عكس ترتيب حروف اسم الكاتب الفرنسي في العنوان.