أرشيف الأوسمة: عنا ببرلين

صفارة الإنذار

استيقظت اليوم الساعة الثامنة إلا عشرة صباحاً على صوت صفارة إنذار تصدح من البناء المجاور للبناء حيث أعيش منذ حوالي شهر، في حي فيدينغ البرليني. يبدو صوت الصفارة وكأنه تسجيلٌ لصوت سيارة إطفاء يُشغّل بالعكس. والمسافة بيني وبينه تجعله غير عالٍ جداً، لكنه مسموع بشكل واضح.

كان من المخطط أن أنام اليوم حتى الظهر، أي حتى العاشرة صباحاً تقريباً. أمس نمت متأخراً جداً بعد سهرة عدت منها مستيقظاً للغاية، ما أجبرني على جولة فيديوهات يوتيوبية على مذهب الرفيق صادق عبد الرحمن. حين أيقظتني صفارة الإنذار بالكاد كنت قد نمت أربع ساعات.

أغلقت الشبابيك وحاولت العودة إلى النوم. عبث. رفعت صوت الراديو (الذي يندر أن أتمكن من النوم -خصوصاً في النهار- دون أن يوشّ بجانبي) لكن صوت الصفارة ما زال مزعجاً.

بدأ الصُداع. حان وقت التركيز الشديد في محاولة النوم. وضعت السماعات وغطيت رأسي.

غفيت، لكنها غفوة مُتعبة أكثر، بدأت بدايات أحلام هلوسية، مخلوطة بصداع، ويدخل بها صوت صفّارة الإنذار. في أحد هذه الأحلام الهلوسية أتذكر أنني متأخر بمراسلة أحد الأشخاص، بدأ السترس. قهوة. افتح الكمبيوتر.

موسيقى؟ عبث. صوت الصفارة يدخل فيها ويخربها. ولكي أغطي على صوت الصفارة يجب أن أرفع الصوت لدرجة قد تُزعج الجيران. اليوم سبت، وقد يكونون نائمين.

نائمين؟ مع صوت الصفارة هذا؟

على فكرة. لماذا ما زالت تصدح؟ لماذا لا يطفؤها أحد؟ لو أن لصّاً دخل وسرق فقد كان لديه الوقت الكافي ليصل إلى.. لا أدري. سلوفينيا؟

لا أقصد أن أهل سلوفينيا لصوص. أنا آسف. تقدير مسافة لا أكثر.. النمسا النمسا. خلاص يا عمي!

الناس يدخلون ويخرجون من البناية. أراهم من نافذتي المطلّة على الفناء الداخلي. لا أحد ينظر إلى مصدر الصوت. وحدي أُخرج رأسي من النافذة كل خمس دقائق.

ماذا لو أنني الوحيد الذي يسمعها؟ هل أتخيلها؟ هل ما زلت ضمن حلم هلوسي صباح سبت بعد سهرة؟ لا. مستحيل. شربت فنجاني قهوة وأفطرت، وأرسلت 8 إيميلات، وتحادثت مع مصطفى الجرادي.

موضوعنا ليس مصطفى الجرادي الآن. دعونا نركّز على صفارة الإنذار.

لا أتخيلها. لكن لستُ متأكداً أن أحداً غيري يسمعها. لا أحد يفعل شيئاً! هي مسموعة بقوة عندي وأنا أبعد عن مصدرها نحو خمسين متراً. إذاً تلك البناية تهتزّ الآن من الدوي.

بناية فارغة؟ لا أعتقد. ربما بناية مكاتب؟ آير-بي-أن-بي؟

عن جد! لماذا لا يوقفونها؟ هل يخافون أن يؤدي إيقافها لتشغيل صفارات الإنذار الأخرى حول فيدينغ؟ هل هناك آوانٍ مستطرقة من الصفارات في هذه المدينة؟ أثر الفراشة؟

هل للفراشة صوت؟ ما اسمه باللغة العربية؟

فيدينغ ما زالت رخيصة نسبياً مقارنةً بمناطق أخرى من برلين. لكنها في طور الجنترة، وسترتفع الأسعار خلال الشهور المقبلة. هل هناك صفارات إنذار في كرويزبرغ تصدح الآن؟ هل هناك صفارات إنذار في برغهايم؟ من سيسمعها إذا دوّت؟ هل هذه عقوبة أتلقاها لأنني، ربما، أساهم في جنترة فيدينغ؟

هناك محل حلويات سورية سيفتتح غداً تحت بنايتي. الحلويات السورية جنترفايد أم غراس روتس؟

أشعر بالأسى على الصفارة. لا بد أنها تعبت. البشر سيئون. المسكينة تصرخ لأن أحداً دخل دون تصريح حيث لا يجب أن يدخل، أو لأن أحداً لم يبرمجها كما يجب فانطلقت بشكل خاطئ. أياً يكن. لا أحد يفعل شيئاً. من المُتأذي أكثر هنا؟ أنا أم الصفارة؟ ويلاه.. أشعر بالذنب الآن.

ثم أن الصفارة لم تأتِ من عدم. بل هي إبنة هذا المجتمع، كبشار الأسد أو داعش، حسب الرأي الأدونيسي الثقافوي الشائع. داخل كل منّا صفارة.. نحن الصفارة!

الساعة الواحدة وخمس دقائق ظهراً والصفارة لم تتوقف بعد. الحائط الأبيض صار أمامي بنفسجياً. أعتقد أنني يجب أن أغادر البيت.

أرجو أن تكون الصفارة قد توقفت حين أعود. لكنني أخاف أنها، حتى لو توقفت، فربما تكون قد ورّثت ابنها.